سيد محمد طنطاوي
304
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والغارة . فلم يكن بد في الحكمة الإلهية من وازع يزعهم - أي يزجرهم - عن التنازع ، ويحملهم على التآلف ، ويرد الظالم عن المظلوم ، فقد روى مالك أن عثمان بن عفان كان يقول : ما يزع الإمام أكثر مما يزع القرآن » . فجعل - سبحانه - الخليفة في الأرض حتى لا يكون الناس فوضى ، وعظم في قلوبهم البيت الحرام ، وأوقع في نفوسهم هيبته ، فكان من لجأ إليه معصوما به ، وكان من اضطهد محميا بالكون فيه . ولما كان لهذا البيت موضع مخصوص - ومكان معين - لا يدركه كل مظلوم ، فقد جعل - سبحانه - الأشهر الحرم ملجأ آخر . وقرر في قلوبهم حرمتها ، فكانوا لا يروعون فيها سربا - أي نفسا - ولا يطلبون فيها دما ، حتى كان الرجل يلقى قاتل أبيه وابنه وأخيه فلا يؤذيه . ثم شرع لهم الهدى والقلائد ، فكانوا إذا أخذوا بعيرا وأشعروه دما ، أو علقوا عليه قلادة أو فعل ذلك الرجل بنفسه . لم يروعه أحد حيث لقيه » « 1 » . واسم الإشارة في قوله : * ( ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّه يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ ) * . يعود على الجعل المذكور الذي هو تصيير البيت الحرام وما عطف عليه قياما للناس ، أي صلاحا لأحوالهم الدينية والدنيوية . والمعنى : فعل اللَّه - تعالى - ذلك لتعلموا أنه - سبحانه - يعلم علما تاما شاملا ما في السماوات وما في الأرض ، ولتوقنوا بأنه يعلم طبائع البشر وحاجاتهم ومكنونات نفوسهم ، وهتاف أرواحهم . لأن تشريع هذه الشرائع المستتبعة لدفع المضار ولجلب المصالح الدينية والدنيوية دليل على أنه - سبحانه - يعلم ما في السماوات وما في الأرض . وعلى أنه بكل شيء عليم دون أن تخفى عليه خافية مما في هذا الكون : وكرر - سبحانه - « ما . وفي » في المعطوف والمعطوف عليه للإشارة إلى دقة العلم وشموله ، وأنه - سبحانه - لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها . وقوله * ( وأَنَّ اللَّه بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) * تعميم إثر تخصيص . للتأكيد وقدم الخاص على العام ليكون ذكر الخاص كالدليل على العام . قال الجمل : واسم الإشارة * ( ذلِكَ ) * فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه خبر لمبتدأ محذوف أي : الحكم الذي حكمناه ذلك لا غير . والثاني : أنه مبتدأ وخبره محذوف أي : ذلك الحكم هو الحق لا غيره .
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 6 ص 325 بتصرف وبتلخيص .