سيد محمد طنطاوي
300
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أنتوضأ بماء البحر ؟ فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « هو الطهور ماؤه الحل ميتته » . وعن ابن عمر قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « أحلت لنا ميتتان ودمان فأما الميتتان : فالحوت والجراد ، وأما الدمان : فالكبد والطحال » . رواه الشافعي وأحمد وابن ماجة والدارقطني والبيهقي وله شواهد . وقد احتج بهذه الآية أيضا من ذهب من الفقهاء إلى أنه تؤكل دواب البحر ولم يستثن من ذلك شيئا . وقد استثنى بعضهم الضفادع وأباح ما سواها . وقال أبو حنيفة : لا يؤكل ما مات في البحر كما لا يؤكل ما مات في البر لعموم قوله - تعالى - : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ « 1 » . ثم أكد - سبحانه - حرمة صيد البر للمحرمين فقال . * ( وحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً ) * والمراد بصيد البر : ما كان توالده ومأواه في البر مما هو متوحش بأصل خلقته . وبعض الفقهاء يرى أن التحريم هنا منصب على الفعل ، وعليه فالآية إنما تدل على حرمة الاصطياد فقط ، وأما الأكل منه - أي من الصيد - بأن يصيده حلال فلا تدل عليه الآية . وبعضهم يرى أن التحريم هنا منصب على ذات الصيد . وعليه فتكون الآية تقتضي تحريم جميع وجوه الانتفاع بالصيد إلا ما يخرجه الدليل . وقد بسط القرطبي الكلام في هذه المسألة فقال ما ملخصه : قوله - تعالى - * ( وحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً ) * التحريم ليس صفة للأعيان وإنما يتعلق بالأفعال فمعنى قوله : * ( وحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ) * أي فعل الصيد وهو المنع من الاصطياد . أو يكون الصيد بمعنى المصيد وهو الأظهر لإجماع العلماء أنه لا يجوز للمحرم قبول صيد وهب له ، ولا يجوز له شراؤه ، ولا اصطياده ، ولا استحداث ملكه بوجه من الوجوه . وقد اختلف العلماء فيما يأكله المحرم من الصيد ، فقال مالك والشافعي وأحمد . إنه لا بأس بأكل المحرم الصيد إذا لم يصد له ولا من أجله ، لما رواه الترمذي والنسائي عن جابر عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال : « صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم » وقال أبو حنيفة : أكل الصيد للمحرم جائز على كل حال إذا اصطاده الحلال - سواء صيد من أجله أو لم يصد لظاهر قوله - تعالى - * ( لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأَنْتُمْ حُرُمٌ ) * فحرم صيده وقتله على المحرمين دون ما صاده غيرهم .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 102 .