سيد محمد طنطاوي
295
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
الرابع : أنه يحكم عليه في العمد والخطأ والنسيان ، وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم . قال الزهري : وجب الجزاء في العمد بالقرآن ، وفي الخطأ والنسيان بالسنة . فقد سئل النبي صلى اللَّه عليه وسلم عن الضبع فقال : « هي صيد » وجعل فيها إذا أصابها المحرم كبشا ، ولم يقل عمدا ولا خطأ . الخامس : أن يقتله متعمدا لقتله ناسيا لإحرامه - وهو قول مجاهد - ، لقوله - تعالى - بعد ذلك * ( ومَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّه مِنْه ) * قال : ولو كان ذاكرا لإحرامه لوجبت عليه العقوبة لأول مرة . قال : فدل على أنه أراد متعمدا لقتله ناسيا لإحرامه » « 1 » . ويبدو لنا أن القول الرابع الذي قال به الأئمة أبو حنيفة والشافعي ، ومالك أقرب إلى الصواب ، لأن تخصيص العمد بالذكر في الآية ، لأجل أن يرتب عليه الانتقام عند العود ، لأن العمد هو الذي يترتب عليه ذلك دون الخطأ ، ولأن جزاء الخطأ معروف من الأدلة التي قررت التسوية في ضمان المتلفات ، إذ من المعروف أن من قتل صيد إنسان عمدا أو خطأ في غير الحرم فعليه جزاؤه ، فهذا حكم عام في جميع المتلفات وما دام الأمر كذلك كان الجزاء ثابتا على المحرم متى قتل الصيد سواء أكان قتله له عمدا أم خطأ . وقد اختلف العلماء - أيضا في المراد بالمثل في قوله - تعالى - * ( ومَنْ قَتَلَه مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ) * . فجمهور الفقهاء يرون أن المراد بالمثل النظير . أي أن الجزاء يكون بالمماثلة بين الصيد المقتول وبين حيوان يقاربه في الحجم والمنظر من النعم وهي الإبل والبقر والغنم . ومن حججهم أن اللَّه أوجب مثل المصيد المقتول مقيدا بكونه من النعم ، فلا بد أن يكون الجزاء مثلا من النعم ، وعليه فلا تصح القيمة لأنها ليست من النعم . قال ابن كثير : وفي قوله - تعالى - : * ( فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ) * دليل لما ذهب إليه مالك والشافعي وأحمد من وجوب الجزاء من مثل ما قتله المحرم إذا كان له مثل من الحيوان الإنسى ، خلافا لأبى حنيفة حيث أوجب القيمة سواء أكان الصيد المقتول مثليا أم غير مثلي . قال : وهو مخير إن شاء تصدق بثمنه . وإن شاء اشترى به هديا . والذي حكم به الصحابة في المثل أولى بالاتباع ، فإنهم حكموا في النعامة ببدنه ، وفي بقرة
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 6 ص 308 .