سيد محمد طنطاوي

27

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

جميع الأشهر الحرم . وهي أربعة : ذو القعدة ، وذو الحجة والمحرم ، ورجب . وسمى الشهر حراما : باعتبار أن إيقاع القتال فيه حرام . أي : لا تحلوا - أيها المؤمنون - القتال في الشهر الحرام ، ولا تبدأوا أعداءكم فيه بقتال . قال ابن كثير : يعنى بقوله : * ( ولَا الشَّهْرَ الْحَرامَ ) * تحريمه ، والاعتراف بتعظيمه ، وترك ما نهى اللَّه عن تعاطيه فيه ، من الابتداء بالقتال كما قال - تعالى - يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيه . قُلْ قِتالٌ فِيه كَبِيرٌ . وقال - تعالى - إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّه اثْنا عَشَرَ شَهْراً وفي صحيح البخاري عن أبي بكرة أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال في حجة الوداع : « إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللَّه السماوات والأرض والسنة اثنا عشر شهرا . منها أربعة حرم » . وهذا يدل على استمرار تحريمها إلى آخر وقت . كما هو مذهب طائفة من السلف . وذهب الجمهور إلى أن ذلك منسوخ . وأنه يجوز ابتداء القتال في الأشهر الحرم . واحتجوا بقوله - فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ . والمراد أشهر التسيير الأربعة . قالوا : فلم يستثن شهرا حراما من غيره « 1 » . والمقصود بالهدى في قوله * ( ولَا الْهَدْيَ ) * ما يتقرب به الإنسان إلى اللَّه من النعم ليذبح في الحرم ، وهو جمع هدية - بتسكين الدال - ، أي : ولا تحلوا حرمة ما يهدى إلى البيت الحرام من الأنعام تقربا إلى اللَّه - تعالى - بأن تتعرضوا له بنحو غصب وسرقة أو حبس عن بلوغه إلى محله . وخص ذلك بالذكر مع دخوله في الشعائر ، لأن فيه نفعا للناس ، لأنه قد يتساهل فيه أكثر من غيره ، ولأن في ذكره تعظيما لشأنه . وقوله : * ( ولَا الْقَلائِدَ ) * جمع قلادة ، وهي ما يقلد به الهدى ليعلم أنه مهدى إلى البيت الحرام فلا يتعرض له أحد بسوء . وقد كانوا يضعون في أعناق الهدى ضفائر من صوف ، ويربط بعنقها نعلان أو قطعة من لحاء الشجر أو غيرهما ليعلم أنه هدى فلا يعتدى عليه . والمراد : ولا تحلوا ذوات القلائد من الهدى بأن تتعرضوا لها بسوء . وخصت بالذكر مع أنها من الهدى تشريفا لها واعتناء بشأنها ، لأن الثواب فيها أكثر ، وبهاء الحج بها أظهر . فكأنه قيل : لا تحلوا الهدى وخصوصا ذوات القلائد منه . ويجوز أن يراد النهى عن التعرض لنفس القلائد مبالغة في النهى عن التعرض لذواتها أي : لا تتعرضوا لقلائد الهدى فضلا عن ذاته .

--> ( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 2 ص 4