سيد محمد طنطاوي

275

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال القرطبي : والخمر مأخوذة من خمر ، إذا ستر ، ومنه خمار المرأة لأنه يستر وجهها . وكل شيء غطى شيئا فقد خمره . ومنه : خمروا آنيتكم أي : غطوها . وقيل : إنما سميت الخمر خمرا ، لأنها تركت حتى أدركت كما يقال : قد اختمر العجين ، أي : : بلغ إدراكه . وخمر الرأي ، أي ترك حتى يتبين فيه الوجه . وقيل : إنما سميت الخمر خمرا ، لأنها تخالط العقل . من المخامرة وهي المخالطة . ومنه قولهم : دخلت في خمار الناس - بفتح الخاء وضمها - أي : اختلطت بهم . فالمعاني الثلاثة متقاربة ، فالخمر تركت حتى أدركت ، ثم خالطت العقل ، ثم خمرته والأصل الستر » « 1 » . والميسر : القمار - بكسر القاف - وهو في الأصل مصدر ميمى من يسر كالموعد من وعد . وهو مشتق من اليسر بمعنى السهولة ، لأن المال يجيء ، للكاسب من غير جهد ، أو هو مشتق من يسر بمعنى جزأ ، ثم أصبح علما على كل ما يتقامر عليه كالجزور ونحوه . قال القرطبي : الميسر : الجزور الذي كانوا يتقامرون عليه ، سمى ميسرا لأنه يجزأ أجزاء فكأنه موضوع التجزئة . وكل شيء جزأته فقد يسرته . والياسر : الجازر ، لأنه يجزئ لحم الجزور . ويقال للضاربين بالقداح والمتقامرين على الجزور : يأسرون لأنهم جازرون إذ كانوا سببا لذلك » « 2 » . والمراد بالميسر ما يشمل كل كسب يجيء بطريق الحظ المبنى على المصادفة فاللعب بالنرد على مال يسمى قمارا ، واللعب بالشطرنج على مال يسمى قمارا وهكذا ما يشبه ذلك من ألوان تمليك المال بالمخاطرة وبطريق الحظ المبنى على المصادفة . وتحريم الميسر تحريم لذات الفعل . فالعمل في ذاته حرام ، والكسب عن طريقه حرام . والأنصاب : جمع نصب ، وتطلق على الأصنام التي كانت تنصب للعبادة لها أو على الحجارة التي كانت تخصص للذبح عليها تقربا للأصنام . والأزلام : جمع زلم . وهي السهام التي كانوا يتقاسمون بها الجزور أو البقرة إذا ذبحت . فسهم عليه واحد ، وسهم اثنان وهكذا إلى عشرة . أو هي السهام التي كانوا يكتبون على أحدها : أمرني ربي وعلى الآخر نهاني ربي ، ويتركون الثالث غفلا من الكتابة فإذا أرادوا سفرا أو حربا أو زواجا أو غير ذلك ، أتوا إلى بيت الأصنام واستقسموها ، فإن خرج أمرني ربي أقدموا

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 3 ص 51 ( 2 ) تفسير القرطبي ج 3 ص 53