سيد محمد طنطاوي
258
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
كله يدل على صفاء نفوسهم وطهارة قلوبهم ومسارعتهم إلى قبول الحق عند ظهوره بدون تردد أو تقاعس : وقولهم - كما حكى القرآن عنهم - * ( ونَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا ) * يدل على قوة إيمانهم ، وصدق يقينهم ، لأنهم مع هذا الإقبال الشديد على الدين الحق والمسارعة إلى العمل الصالح ، لم يجزموا بحسن عاقبتهم ، بل التمسوا من اللَّه - تعالى - الطمع في مغفرته ، وفي أن يجعلهم مع القوم الصالحين من أمة محمد صلى اللَّه عليه وسلم . وهكذا المؤمن الصادق يستصغر عمله بجانب فضل اللَّه ونعمه ، ويقف من جزائه وثوابه - سبحانه - موقف الخوف والرجاء . ولقد كان ما أعده اللَّه - تعالى - لهؤلاء الأصفياء من ثواب شيئا عظيما ، عبر عنه - سبحانه - بقوله : * ( فَأَثابَهُمُ اللَّه بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ ) * . أي : فكافأهم اللَّه - تعالى - بسبب أقوالهم الطيبة الدالة على إيمانهم وإخلاصهم ، جنات تجرى من تحت بساتينها وأشجارها الأنهار * ( خالِدِينَ فِيها ) * أي : باقين في تلك الجنات بقاء لا موت معه ، * ( وذلِكَ ) * العطاء الجزيل الذي منحه اللَّه لهم * ( جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ ) * أي : المؤمنين المخلصين في أقوالهم وأعمالهم . والمراد بقوله * ( بِما قالُوا ) * : ما سبق أن حكاه عنهم - سبحانه - من قولهم : * ( رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ ) * ورتب الثواب المذكور على القول : لأنه قد سبق وصفهم بما يدل على إخلاصهم ، وعلى صدق يقينهم ، والقول إذا اقترن بذلك فهو الإيمان . قال الآلوسي : قوله . * ( فَأَثابَهُمُ اللَّه بِما قالُوا ) * أي بسبب قولهم أو بالذي قالوه عن اعتقاد ، فإن القول إذا لم يقيد بالخلو عن الاعتقاد يكون المراد به المقارن له ، كما إذا قيل : هذا قول فلان ، لأن القول إنما يصدر عن صاحبه لإفادة الاعتقاد . وقيل : إن القول هنا مجاز عن الرأي والاعتقاد والمذهب كما يقال : هذا قول الإمام الأعظم أي : هذا مذهبه واعتقاده . وذهب كثير من المفسرين إلى أن المراد بهذا القول قولهم : * ( رَبَّنا آمَنَّا ) * . وقولهم * ( وما لَنا لا نُؤْمِنُ ) * « 1 » وقد بينت هذه الآية الكريمة أنه - سبحانه - قد أجابهم إلى ما طلبوا ، بل أكبر مما طلبوا ، فقد كانوا يطمعون في أن يكونوا مع القوم الصالحين ، وأن يكتبهم مع الشاهدين . فأعطاهم -
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 7 ص 6