سيد محمد طنطاوي

254

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال : بعث النجاشيّ وفدا إلى رسول صلى اللَّه عليه وسلم فأسلموا ، قال : فأنزل اللَّه فيهم : * ( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ ) * إلى آخر الآية . قال : فرجعوا إلى النجاشيّ فأخبروه فأسلم النجاشيّ فلم يزل مسلما حتى مات ، فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : إن أخاكم النجاشيّ قد مات فصلوا عليه فصلى عليه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بالمدينة والنجاشيّ بالحبشة . ثم قال ابن جرير بعد أن ساق روايات أخرى في سبب نزول هذه الآيات : والصواب في ذلك من القول عندي ، أن اللَّه - تعالى - وصف صفة قوم قالوا : إنا نصارى ، وأن نبي اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يجدهم أقرب الناس مودة لأهل الايمان باللَّه ورسوله ، ولم يسم لنا أسماءهم وقد يجوز أن يكون أريد بذلك أصحاب النجاشيّ ويجوز أن يكون أريد به قوم كانوا على شريعة عيسى فأدركهم الإسلام فأسلموا ، لما سمعوا القرآن ، وعرفوا أنه الحق ، ولم يستكبروا عنه » « 1 » . فقوله - تعالى - * ( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ والَّذِينَ أَشْرَكُوا ) * جملة مستأنفة لتقرير ما قبلها من آيات سجلت على اليهود كثيرا من الصفات القبيحة والمسالك الخبيثة . وقد أكد - سبحانه - هذه الجملة بلام القسم اعتناء ببيان تحقق مضمونها ، والخطاب للنبي - صلى اللَّه عليه وسلم ويصح أن يكون لكل من يصلح للخطاب للإيذان بأن حالهم لا تخفى على أحد من الناس . والمعنى : أقسم لك يا محمد بأنك عند مخالطتك للناس ودعوتهم إلى الدين الحق ، ستجد أشدهم عداوة لك ولأتباعك فريقين منهم : وهما اليهود والذين أشركوا ، لأن عداوتهم منشؤها الحقد والحسد والعناد والغرور . وهذه الرذائل متى تمكنت في النفس حالت بينها وبين الهداية والإيمان بالحق . وقوله * ( أَشَدَّ النَّاسِ ) * مفعول أول لقوله * ( لَتَجِدَنَّ ) * ومفعوله الثاني * ( الْيَهُودَ ) * وقوله * ( عَداوَةً ) * تمييز . قال الآلوسي : والظاهر أن المراد من اليهود العموم ، أي من كان منهم بحضرة الرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم من يهود المدينة وغيرهم ويؤيده ما أخرجه أبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم « ما خلا يهودي بمسلم إلا هم بقتله » وقيل المراد بهم يهود المدينة وفيه بعد ، وكما اختلف في عموم اليهود اختلف في عموم الذين أشركوا . والمراد من * ( النَّاسِ ) * . كما قال أبو حيان - الكفار : أي لتجدن أشد الكفار عداوة هؤلاء . ووصفهم - سبحانه - بذلك لشدة كفرهم ، وانهماكهم في اتباع الهوى ، وقربهم إلى

--> ( 1 ) تفسير ابن جرير ج 7 ص 3