سيد محمد طنطاوي
246
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقد غالى أهل الكتاب في شأن عيسى - عليه السلام - أما اليهود فقد كفروا به ونسبوه إلى الزنا وافتروا عليه وعلى أمه افتراء شديدا وأما النصارى فقد وصفوه بالألوهية فوضعوه في غير موضعه الذي وضعه اللَّه فيه وهو منصب الرسالة . وكما غالوا في شأن عيسى عليه السلام - فقد غالوا أيضا في تمسكهم بعقائدهم الزائفة ، مع أن الدلائل الواضحة قد دلت على بطلانها وفسادها . وقوله * ( غَيْرَ الْحَقِّ ) * منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف . أي : لا تغلوا في دينكم غلوا غير الحق : أي : غلوا باطلا . وقوله : * ( ولا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ ) * معطوف على قوله : * ( لا تَغْلُوا ) * قال الفخر الرازي : الأهواء - هاهنا - المذاهب التي تدعو إليها الشهوة دون الحجة . قال الشعبي : ما ذكر اللَّه لفظ الهوى في القرآن إلا ذمه . قال : ولا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه وقال : واتَّبَعَ هَواه فَتَرْدى وقال : وما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى وقال : أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَه هَواه . وقال أبو عبيدة : لم نجد الهوى يوضع إلا في الشر لا يقال : فلان يهوى الخير إنما يقال يريد الخير ويحبه . وقيل : سمى الهوى هوى لأنه يهوى بصاحبه في النار . وأنشد في ذم الهوى : إن الهوى الهوان بعينه فإذا هويت فقد لقيت هوانا وقال رجل لابن عباس : الحمد اللَّه الذي جعل هو اى على هواك . فقال ابن عباس : كل هوى ضلالة » « 1 » . والمعنى : قل يا محمد لأهل الكتاب الذين تجاوزوا الحدود التي تقرها الشرائع والعقول السليمة ، قل لهم يا أهل الكتاب : * ( لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ ) * أي : لا تتجاوزوا حدود اللَّه تجاوزا باطلا ، كأن تعبدوا سواه مع أنه هو الذي خلقكم ورزقكم ، وكأن تصفوا عيسى بأوصاف هو برئ منها . وقل لهم أيضا : * ( ولا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ ) * أي : ولا تتبعوا شهوات وأقوال قوم من أسلافكم وعلمائكم ورؤسائكم * ( قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ ) * أي : قد ضلوا من قبل بعثة النبي صلى اللَّه عليه وسلم بتحريفهم للكتب السماوية وتركهم لتعاليمها جريا وراء شهواتهم وأهوائهم * ( وأَضَلُّوا كَثِيراً ) * أي أنهم لم يكتفوا بضلال أنفسهم بل أضلوا أناسا كثيرين سواهم ممن قلدهم ووافقهم على أكاذيبهم وقوله : * ( وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ) * معطوف على قوله * ( قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ ) * .
--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 63