سيد محمد طنطاوي
243
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ظاهرة للناس ، ودالة على احتياجهما لغيرهما في مطلب حياتهما ، ومن يحتاج إلى غيره لا يكون إلها . وقال صاحب الكشاف : لأن من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام وما يتبعه من الهضم والنفض ، لم يكن إلا جسما مركبا من عظم ولحم وعروق وأعصاب وأخلاط وأمزجة مع شهوة . . وغير ذلك مما يدل على أنه مصنوع مؤلف كغيره من الأجسام وحاشا للإله أن يكون كذلك « 1 » . ففي هذه الجمل الكريمة رد على ما زعمه النصارى في شأن عيسى وأمه بأبلغ وجه وأحكمه ، ولذا عجب اللَّه - تعالى - رسوله وكل من يصلح للخطاب من جهلهم وبعدهم عن الحق مع وضوحه وظهوره فقال : * ( انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) * أي : يصرفون يقال أفكه يأفكه إذا صرفه عن الشيء . أي : انظر - يا محمد - كيف تبين لهم الأدلة المنوعة على حقيقة عيسى وأمه بيانا واضحا ظاهرا . ثم انظر بعد ذلك كيف ينصرفون عن الإصاخة إليها والتأمل فيها لسوء تفكيرهم ، واستيلاء الجهل والوهم والعناد على عقولهم . فالجملتان الكريمتان تعجيب لكل عاقل من أحوال النصارى الذين زعموا أن اللَّه هو المسيح ابن مريم ، أو أن اللَّه ثالث ثلاثة . مع أنه - سبحانه - أقام لهم الأدلة المتعددة على بطلان ذلك . وكرر اللَّه - سبحانه - الأمر بالنظر للمبالغة في التعجيب من أحوالهم الغريبة وجئ بثم المفيدة للتراخي في قوله * ( ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) * لإظهار ما بين وضوح الآيات وانصرافهم عنها من تفاوت شديد أي : أن بياننا للآيات أمر بديع في بابه بحيث يجعل كل عاقل يستجيب لها ، ويخضع لما تدعو إليه من هدايات وخيرات . وانصراف هؤلاء الضالين عنها - مع وضوحها وتعاضد ما يوجب قبولها - أمر يدعو إلى العجب الشديد من جهلهم وضلالهم وسوء تفكيرهم . ثم تابع - سبحانه - حديثه عن ضلال أهل الكتاب وجهالتهم فأمر رسوله - صلى اللَّه عليه وسلم أن يوبخهم على عنادهم وغفلتهم وأن يواصل دعوتهم إلى الدين الحق فقال - تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 76 إلى 77 ] قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا ولا نَفْعاً واللَّه هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 76 ) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ ولا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وأَضَلُّوا كَثِيراً وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ( 77 )
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 665