سيد محمد طنطاوي

240

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : لقد كفر أولئك الذين قالوا إن اللَّه ثالث ثلاثة كفرا شديدا بينا والحق أنه ليس في الوجود سوى إله واحد مستحق للعبادة ، وإن لم يرجع هؤلاء الذين قالوا بالتثليث عن عقائدهم الزائفة وأقوالهم الفاسدة ويعتصموا بعروة التوحيد * ( لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ ) * أي : ليصيبن الذين استمروا على الكفر منهم عذاب أليم . فالجملة الكريمة تحذير من اللَّه - تعالى - لهم عن الاستمرار في هذا القول الكاذب . والاعتقاد الفاسد الذي يتنافى مع العقول السليمة ، والأفكار القويمة . وقوله : * ( لَيَمَسَّنَّ ) * جواب لقسم محذوف ، وهو ساد مسد جواب الشرط المحذوف في قوله * ( وإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا ) * والتقدير : واللَّه إن لم ينتهوا ليمسن . وأكد - سبحانه - وعيدهم بلام القسم في قوله * ( لَيَمَسَّنَّ ) * ردا على اعتقادهم أنهم لا تمسهم النار ، لأن صلب عيسى - في زعمهم - كان كفارة عن خطايا البشر . وعبر بالمس للإشارة إلى شدة ما يصيبهم من آلام : لأن المراد أن هذا العذاب الأليم يصيب جلدهم وهو موضع الإحساس فيهم إصابة مستمرة ، كما قال - تعالى - في آية أخرى : كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ « 1 » . وقال - سبحانه - * ( لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) * بالتعبير بالظاهر دون الضمير للإشارة إلى سبب العذاب وهو كفرهم لأن التعبير بالموصول يشير إلى أن الصلة هي سبب الحكم . ومن في قوله * ( مِنْهُمْ ) * يصح أن تكون تبعيضية أي : ليمسن الذين استمروا على الكفر من هؤلاء النصارى عذاب أليم ، لأن كثيرا منهم لم يستمروا على الكفر بل رجعوا عنه ودخلوا في دين الإسلام . ويصح أن تكون بيانية ، وقد وضح ذلك صاحب الكشاف بقوله : ومن في قوله : * ( لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ ) * للبيان كالتي في قوله فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثانِ . والمعنى : ليمسن الذين كفروا من النصارى خاصة * ( عَذابٌ أَلِيمٌ ) * أي نوع شديد الألم من العذاب . . كما تقول : أعطني عشرين من الثياب . تريد من الثياب خاصة لا من غيرها من الأجناس التي يجوز أن يتناولها عشرون » « 2 » . وبعد هذا الترهيب الشديد للكافرين من العذاب الأليم ، فتح لهم - سبحانه - باب رحمته ، حيث رغبهم في الإيمان ، وأنكر عليهم تقاعسهم عنه بعد أن ثبت بطلان ما هم عليه من عقائد فقال - تعالى - : * ( أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّه ويَسْتَغْفِرُونَه واللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ ) * .

--> ( 1 ) سورة النساء : الآية 56 ( 2 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 664