سيد محمد طنطاوي
230
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
يحزنون . فالإخبار عن اليهود ومن بعدهم بما ذكر مشروط بالإيمان لا مطلقا « 1 » . وقد ذكر صاحب الكشاف وجها آخر فقال : قوله : * ( والصَّابِئُونَ ) * رفع على الابتداء وخبره محذوف . والنية به التأخير عما في حيز إن من اسمها وخبرها . كأنه قيل : إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا . والصابئون كذلك . ثم قال : فإن قلت ما التأخير والتقديم إلا لفائدة فما فائدة هذا التقديم ؟ قلت : فائدته التنبيه على أن الصابئين يتاب عليهم إن صح منهم الإيمان والعمل الصالح فما الظن بغيرهم ؟ وذلك لأن الصابئين أبين هؤلاء المعدودين ضلالا وأشدهم غيا ، وما سموا صابئين إلا لأنهم صبئوا عن الأديان كلها أي : خرجوا » « 2 » . والخلاصة ، أن الآية الكريمة مسوقة للترغيب في الإيمان والعمل الصالح ببيان أن كل من آمن باللَّه واليوم الآخر ، واتبع ما جاء به النبي صلى اللَّه عليه وسلم واستمر على هذا الإيمان وهذا الاتباع إلى أن فارق هذه الحياة ، فإن اللَّه - تعالى - يرضى عنه ويثيبه ثوابا حسنا ، وبتجاوز عما فرط منه من ذنوب ، لأن الإيمان الصادق يجب ما قبله ، من عقائد زائفة ، وأعمال باطلة وأقوال فاسدة . وبعد أن فتح - سبحانه - باب الإيمان أمام أهل الكتاب وغيرهم لكي يدخلوه فينالوا رضاه ومثوبته . عقب ذلك باستئناف الحديث من أنواع أخرى من الرذائل التي عرفت عن بني إسرائيل فقال - تعالى - : [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 70 إلى 71 ] لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ( 70 ) وحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّه عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ واللَّه بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ( 71 )
--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 511 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 661