سيد محمد طنطاوي
226
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وهناك آثار تشهد بأن النبي صلى اللَّه عليه وسلم كان يحرس من بعض أصحابه فلما نزلت هذه الآية صرفهم عن حراسته . فقد أخرج الترمذي والحاكم وابن أبي حاتم وابن جرير عن عائشة قالت : كان رسول اللَّه يحرس ليلا حتى نزلت * ( واللَّه يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) * فأخرج رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم رأسه من القبة فقال لهم : « أيها الناس انصرفوا لقد عصمني اللَّه » « 1 » . وقوله : * ( إِنَّ اللَّه لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ) * تذييل قصد به تعليل عصمته صلى اللَّه عليه وسلم وتثبيت قلبه أي : إن اللَّه - تعالى - لا يهدى القوم الكافرين إلى طريق الحق بسبب عنادهم وإيثارهم الغي على الرشد . ولا يوصلهم إلى ما يريدونه من قتلك ومن القضاء على دعوتك ، بل سينصرك عليهم ويجعل العاقبة لك . وبعد هذا التثبيت والتكريم لنبيه . أمره - سبحانه - أن يصارح أهل الكتاب بما هم عليه من باطل وأن يدعوهم إلى اتباع الحق الذي جاء به فقال - تعالى - : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 68 ] قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإِنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ولَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 68 ) قال الآلوسي : أخرج ابن إسحاق وابن جرير وغيرهما عن ابن عباس قال : جاء جماعة من اليهود إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم فقالوا : يا محمد ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه ، وتؤمن بما عندنا من التوراة ، وتشهد أنها من اللَّه حق ، فقال النبي صلى اللَّه عليه وسلم بلى ، ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما أخذ عليكم من الميثاق وكتمتم منها ما أمركم أن تبينوه للناس فبرئت من أحداثكم . قالوا : فإن لم تأخذ بما في أيدينا فإنا على الحق والهدى ولا نؤمن بك ولا نتبعك فأنزل اللَّه * ( قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ ) * الآية « 2 » . والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء اليهود والنصارى الذين امتدت أيديهم إلى كتبهم بالتغيير والتبديل . قل لهم * ( يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ ) * يعتد به من الدين أو العلم أو المروءة
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 78 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 6 ص 200