سيد محمد طنطاوي

223

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

روى المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري قال : لما غزا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بنى أنمار ، نزل ذات الرقاع بأعلى نخل . فبينما هو جالس على رأس بئر قد دلى رجليه ، فقال الحارث من بنى النجار : لأقتلن محمدا فقال له أصحابه : كيف تقتله ؟ قال : أقول له أعطني سيفك ، فإذا أعطانيه قتلته به . قال : فأتاه فقال يا محمد . أعطني سيفك أشيمه - أي أراه - فأعطاه إياه - فرعدت يده حتى سقط السيف من يده : فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم حال اللَّه بينك وبين ما تريد . فأنزل اللَّه - تعالى - * ( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) * . . الآية « 1 » . قال الفخر الرازي - بعد أن ذكر عشرة أقوال في سبب نزولها - واعلم أن هذه الروايات وإن كثرت إلا أن الأولى حمل الآية على أن اللَّه - تعالى - آمنه من مكر اليهود والنصارى ، وأمره بإظهار التبليغ من غير مبالاة منه بهم ، وذلك لأن ما قبل هذه الآية بكثير وما بعدها بكثير لما كان كلاما مع اليهود والنصارى ، امتنع إلقاء هذه الآية الواحدة على وجه تكون أجنبية عما قبلها وما بعدها » « 2 » . وهذا الذي قاله الإمام الرازي هو الذي تسكن إليه النفس أي أن الآية الكريمة ساقها اللَّه - تعالى - لتثبيت النبي صلى اللَّه عليه وسلم وتقوية قلبه وأمره بالمضي في تبليغ رسالته بدون خوف من أعدائه الذين حدثه عن مكرهم به وكراهتهم له ، حديثا مستفيضا ، وقد بشره - سبحانه - في هذه الآية بأنه حافظه من مكرهم وعاصمه من كيدهم . وقوله : * ( بَلِّغْ ) * من التبليغ بمعنى : إيصال الشيء إلى المطلوب إيصاله إليه . والمعنى : * ( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ ) * الكريم المرسل إلى الناس جميعا * ( بَلِّغْ ) * أي : أوصل إليهم * ( ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) * أي : كل ما أنزل إليك من ربك من الأوامر والنواهي والأحكام والآداب والأخبار دون أن تخشى أحدا إلا اللَّه . * ( وإِنْ لَمْ تَفْعَلْ ) * ما أمرت به من إيصال وتبليغ جميع ما أنزل إليك من ربك إلى الناس * ( فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَه ) * أي : وإن لم تبلغ كل ما أنزل إليك من ربك كنت كمن لم يبلغ شيئا مما أوحاه اللَّه إليه ، لأن ترك بعض الرسالة يعتبر تركا لها كلها . وقد عبر عن هذا المعنى صاحب الكشاف بقوله : قوله : * ( وإِنْ لَمْ تَفْعَلْ ) * أي : وإن لم تبلغ جميعه كما أمرتك . * ( فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَه ) * أي : فلم تبلغ إذا ما كلفت به من أداء الرسالة ، ولم تؤد منها شيئا قط ، وذلك أن بعضها ليس بأولى بالأداء من بعض وإن لم تؤد بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعا ، كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها ، لإدلاء كل منها بما يدلى به

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 79 . ( 2 ) تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 79