سيد محمد طنطاوي

217

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الفيض - أو القبض - يرفع ويخفض وقال : يقول اللَّه - تعالى - : أنفق أنفق عليك » « 1 » . وقوله : * ( يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ ) * جملة مستأنفة واردة لتأكيد كمال جوده ، والدلالة على أنه على مقتضى حكمته ومشيئته فهو - سبحانه - يبسط الرزق لمن يشاء أن يبسطه له ويقبضه عمن يشاء أن يقبضه عنه ، وقبضه الرزق عمن يشاء من خلقه لا ينافي سعة كرمه ، لأنه يعطى ويمنع على حسب مشيئته التي أقام بها نظام خلقه . ثم بين - سبحانه - موقفهم الجحودى مما أنزله على رسوله صلى اللَّه عليه وسلم فقال : * ( ولَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وكُفْراً ) * . أي : إن ما أنزلنا عليك يا محمد من قرآن كريم ، وما أطلعناك عليه من خفى أمور هؤلاء اليهود ، ومن أحوال سلفهم كل ذلك ليزيدن الكثيرين منهم كفرا على كفرهم ، وطغيانا على طغيانهم ، وذلك لأنهم قوم أكل الحقد قلوبهم ، واستولى الحسد على نفوسهم . وإذا كان ما أنزلناه إليك يا محمد فيه الشفاء لنفوس المؤمنين ، فإنه بالنسبة لهؤلاء اليهود يزيدهم بغيا وظلما وكفرا . قال - تعالى : ونُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً « 2 » . فالجملة الكريمة بيان لموقف اليهود الجحودى من الآيات التي أنزلها اللَّه على رسوله صلى اللَّه عليه وسلم وهي في الوقت ذاته تسلية له صلى اللَّه عليه وسلم عما يلقاه منهم . وقد أكد - سبحانه - هذه الجملة بالقسم المطوى ، وباللام الموطئة له ، ونون التوكيد الثقيلة لكي ينتفى الرجاء في إيمانهم ، وليعاملهم النبي صلى اللَّه عليه وسلم وأتباعه على أساس مكنون نفوسهم الخبيثة ، وقلوبهم المريضة بالحسد والخداع . وقوله * ( كَثِيراً ) * هو المفعول الأول لقوله * ( ولَيَزِيدَنَّ ) * وفاعله ما الموصولة في قوله * ( ما أُنْزِلَ ) * وقوله * ( طُغْياناً ) * هو المفعول الثاني . ثم زاد - سبحانه - في تسلية رسوله صلى اللَّه عليه وسلم فأصدر حكمه فيهم بدوام العداوة والبغضاء بين طوائفهم وفرقهم فقال : * ( وأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ والْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ) * فالضمير في قوله * ( بَيْنَهُمُ ) * يعود إلى فرق اليهود المختلفة من فريسيين وصدوقيين وقرائين ، وكتبة وغير ذلك من فرقهم المتعددة .

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 75 ( 2 ) سورة الإسراء الآية 82