سيد محمد طنطاوي

202

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال الراغب : الركوع : الانحناء وتارة يستعمل في الهيئة المخصوصة في الصلاة ، وتارة يستعمل في التذلل والتواضع إما في العبادة وإما في غيرها » « 1 » . ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة الذين يوالون اللَّه ورسوله والمؤمنين فقال : * ( ومَنْ يَتَوَلَّ اللَّه ورَسُولَه والَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّه هُمُ الْغالِبُونَ ) * . والحزب معناه الجمع من الناس يجتمعون على رأى واحد من أجل أمر حزبهم أي أهمهم وشغلهم . والمعنى : * ( ومَنْ يَتَوَلَّ اللَّه ) * - تعالى - بأن يطيعه ويتوكل عليه ، ويتول * ( رَسُولَه ) * بأن يتبعه ويتأسى به ، ويتول * ( الَّذِينَ آمَنُوا ) * بأن يناصرهم ويشد أزرهم ويتعاون معهم على البر والتقوى ، من يفعل ذلك لا شك في حسن عاقبته وظفره بالفلاح والنصر « فإن حزب اللَّه هم الغالبون » لغيرهم من الأحزاب الأخرى التي استحوذ عليها الشيطان . و * ( مَنْ ) * في قوله * ( ومَنْ يَتَوَلَّ اللَّه ) * شرطية ، وقوله : * ( فَإِنَّ حِزْبَ اللَّه هُمُ الْغالِبُونَ ) * دليل على جواب الشرط . أي : ومن يتول اللَّه ورسوله والذين آمنوا يكن من حزب اللَّه المنتصر القوى ، فإن حزب اللَّه هم الغالبون . وقال - سبحانه - فإن حزب اللَّه ، ولم يقل حزب اللَّه ورسوله ، للإشارة إلى أن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم لا يعمل إلا بأمر من اللَّه - تعالى - وأنه صلى اللَّه عليه وسلم لا يستمد العون والنصرة إلا منه - سبحانه - . قال بعض العلماء : وقوله - تعالى - * ( فَإِنَّ حِزْبَ اللَّه هُمُ الْغالِبُونَ ) * معناه : فإنهم الغالبون . فوضع الظاهر موضع الضمير العائد إلى من دلالة على علة الغلبة . وهو أنهم حزب اللَّه . فكأنه قيل : ومن يتول هؤلاء فهو حزب اللَّه ، وحزب اللَّه هم الغالبون . تنويها بذكرهم ، وتعظيما لشأنهم ، وتشريفا لهم بهذا الاسم ، وتعريضا لمن يوالى غير هؤلاء بأنه حزب الشيطان » « 2 » . وبذلك ترى أن هذه الآيات الكريمة قد نهت المؤمنين نهيا شديدا عن موالاة أعداء اللَّه ، لأن موالاتهم قد تجر إلى الارتداد عن الدين الحق ، ومن يرتد عن الدين الحق فلن يضر اللَّه شيئا ، لأنه سبحانه - قادر على أن يأتي بقوم آخرين صادقين في إيمانهم بدل أولئك الذين ارتدوا على

--> ( 1 ) المفردات في غريب القرآن ص 22 . ( 2 ) تفسير القاسمي ج 6 ص 2045 .