سيد محمد طنطاوي

178

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال أبو حيان : قوله * ( ومَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّه فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) * ناسب هنا ذكر الفسق ، لأنه خرج عن أمر اللَّه - تعالى - إذ تقدم قوله : * ( ولْيَحْكُمْ ) * وهو أمر كما قال - تعالى - للملائكة اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّه . أي : خرج عن طاعته » « 1 » وقال صاحب المنار ما ملخصه : وأنت إذا تأملت الآيات السابقة ظهر لك نكتة التعبير بالكفر في الأولى وبوصف الظلم في الثانية ، وبوصف الفسوق في الثالثة . ففي الآية الأولى كان الكلام في التشريع ، وإنزال الكتاب مشتملا على الهدى والنور ، والتزام الأنبياء وحكماء العلماء بالعمل والحكم به . فكان من المناسب أن يختم الكلام ببيان أن كل معرض عن الحكم به لعدم الإذعان له ، مؤثرا لغيره عليه . يكون كافرا به . وأما الآية الثانية فلم يكن الكلام فيها في أصل الكتاب الذي هو ركن الإيمان ، بل في عقاب المعتدين على الأنفس أو الأعضاء . فمن لم يحكم بحكم اللَّه في ذلك يكون ظالما في حكمه . وأما الآية الثالثة فهي في بيان هداية الإنجيل وأكثرها مواعظ وآداب وترغيب في إقامة الشريعة على الوجه الذي يطابق مراد الشارع وحكمته . فمن لم يحكم بهذه الهداية ممن خوطبوا فهم الفاسقون بالمعصية ، والخروج عن محيط تأديب الشريعة « 2 » . وبعد أن تحدث - سبحانه - عن التوراة والإنجيل وما فيهما من الهدى والنور ، وأمر باتباع تعاليمهما . . عقب ذلك بالحديث عن القرآن الكريم الذي أنزله على رسوله صلى اللَّه عليه وسلم فقال - تعالى - :

--> ( 1 ) تفسير البحر المحيط لأبى حيان ج 3 ص 50 ( 2 ) تفسير المنار ج 6 ص 404 .