سيد محمد طنطاوي

171

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله : * ( فَهُوَ ) * يعود إلى التصدق المدلول عليه بالفعل ( تصدق ) والضمير في قوله * ( لَه ) * يعود إلى العافي المتصدق وهو المجنى عليه أو من يقوم مقامه . والمعنى : * ( فَمَنْ تَصَدَّقَ ) * بما ثبت له من حق القصاص ، بأن عفا عن الجاني فإن هذا التصدق يكون كفارة لذنوب هذا المتصدق ، حيث قدم العفو مع تمكنه من القصاص . وقيل إن الضمير في * ( لَه ) * يعود على الجاني فيكون المعنى : فمن تصدق بما ثبت له من حق القصاص ، بأن عفا عن الجاني ، فإن هذا التصدق يكون كفارة له . أي لذنوب الجاني ، بأن لا يؤاخذه اللَّه بعد ذلك العفو . وأما المتصدق فأجره على اللَّه . وقد رجح ابن جرير عودة الضمير إلى العافي المتصدق وهو المجنى عليه أو ولى دمه فقال : وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب : قول من قال : عنى به : فمن تصدق به فهو كفارة له أي المجروح ، ولأنه لأن تكون الهاء في قوله ( له ) عائدة على ( من ) أولى من أن تكون عائدة على من لم يجر له ذكر إلا بالمعنى دون التصريح ، إذ الصدقة هي المكفرة ذنب صاحبها دون المتصدق عليه في سائر الصدقات ) « 1 » . وقوله : * ( ومَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّه فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) * تذييل قصد به التحذير من مخالفة حكم اللَّه . أي : ومن لم يحكم بما أنزل اللَّه فأولئك هم الظالمون لأنفسهم ، حيث تركوا الحكم العدل واتجهوا إلى الحكم الجائر الظالم . قال الرازي : وفيه سؤال وهو أنه - تعالى - . قال : أولا : * ( فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ) * وثانيا * ( هُمُ الظَّالِمُونَ ) * والكفر أعظم من الظلم ، فلما ذا ذكر أعظم التهديدات أولا وأي فائدة في ذكر الأخف بعده ؟ وجوابه : أن الكفر من حيث إنه إنكار لنعمة المولى وجحود لها فهو كفر ، ومن حيث إنه يقتضى إبقاء النفس في العقاب الدائم الشديد فهو ظلم على النفس . ففي الآية الأولى ذكر اللَّه ما يتعلق بتقصيره في حق الخالق - سبحانه - وفي هذه الآية ذكر ما يتعلق بالتقصير في حق نفسه » « 2 » . هذا ، ومما أخذه العلماء من هذه الآية ما يأتي : 1 - أن الآية الكريمة - ككثير غيرها - تنعى على بني إسرائيل إهمالهم لأحكام اللَّه - تعالى - وتهافتهم على ما يتفق مع أهوائهم .

--> ( 1 ) تفسير ابن جرير ج 6 ص 262 بتصريف وتلخيص . ( 2 ) تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 12