سيد محمد طنطاوي

168

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والنقصان . أما تلك التوراة التي بين أيديهم الآن ، والتي دخلها من التحريف ما دخلها فهي عارية عن الثقة في كثير مما اشتملت عليه من قصص وأحكام . 2 - قال الفخر الرازي : « دلت الآية على أنه يحكم بالتوراة النبيون والربانيون والأحبار ، وهذا يقتضى كون الربانيين أعلى حالا من الأحبار ، فثبت أن يكون الربانيون كالمجتهدين . والأحبار كآحاد العلماء . ثم قال : وقد احتج جماعة بأن شرع من قبلنا لازم علينا - إلا إذا قام الدليل على صيرورته منسوخا - بهذه الآية ، وتقريره أنه - تعالى - قال في التوراة هدى ونورا ، والمراد كونها هدى ونورا في أصول الشرع وفروعه ، ولو كان ما فيها منسوخا غير معتبر الحكم بالكلية لما كان فيها هدى ونور ، ولا يمكن أن يحمل الهدى والنور على ما يتعلق بأصول الدين فقط ، لأنه ذكر الهدى والنور ولو كان المراد منهما معا ما يتعلق بأصول الدين للزم التكرار ، وأيضا فإن هذه الآية إنما نزلت في مسألة الرجم فلا بد وأن تكون الأحكام الشرعية داخلة فيها لأنا - وإن اختلفنا في أن غير سبب نزول الآية هل يدخل فيها أم لا - لكنا توافقنا على أن سبب نزول الآية يجب أن يكون داخلا فيها » « 1 » . 3 - استدل العلماء بهذه الآية على أن الحاكم من الواجب عليه أن ينفذ أحكام اللَّه دون أن يخشى أحدا سواه ، وأن عليه كذلك أن يبتعد عن أكل المحرم بكل صوره وأشكاله ، وألا يغير حكم اللَّه في نظير أي عرض من أعراض الدنيا ، لأن اللَّه - تعالى - يقول : * ( فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ واخْشَوْنِ ، ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا ) * . وقد أشار إلى هذا المعنى صاحب الكشاف بقوله : قوله : * ( فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ واخْشَوْنِ ) * نهى للحكام عن خشيتهم غير اللَّه في حكومتهم ، وادهانهم فيها - أي ومصانعتهم فيها - وإمضائها على خلاف ما أمروا به من العدل لخشية سلطان ظالم ، أو خيفة أذية أحد من الأقرباء والأصدقاء وقوله : * ( ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا ) * وهو الرشوة وابتغاء الجاه ورضا الناس ، كما حرف أحبار اليهود كتاب اللَّه وغيروا أحكامه رغبة في الدنيا وطلبا للرياسة فهلكوا » « 2 » . 4 - قال بعض العلماء : في قوله : * ( ومَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّه فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ) * تغليظ في الحكم بخلاف المنصوص عليه ، حيث علق عليه الكفر هنا والظلم والفسق بعد . وكفر الحاكم لحكمه بغير ما أنزل اللَّه مقيد بقيد الاستهانة به . والجحود له ، وهذا ما سار عليه كثير من العلماء وأثروه عن عكرمة وابن عباس .

--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 402 ( 2 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 673