سيد محمد طنطاوي

165

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله : * ( لِلَّذِينَ هادُوا ) * أي : رجعوا عن الكفر . والمراد بهم اليهود . واللام للتعليل . وقوله : * ( والرَّبَّانِيُّونَ ) * معطوف على * ( النَّبِيُّونَ ) * وهو جمع رباني . وهم - كما يقول ابن جرير - العلماء والحكماء البصراء بسياسة الناس وتدبير أمورهم ، والقيام بمصالحهم « 1 » . وقوله : * ( الأَحْبارُ ) * معطوف أيضا على * ( النَّبِيُّونَ ) * . قال القرطبي ما ملخصه : والأحبار : قال ابن عباس : هم الفقهاء . والحبر بالفتح والكسر - الرجل العالم وهو مأخوذ من التحبير بمعنى التحسين والتزيين ، فهم يحبرون العلم . أي : يبينونه ، وهو محبر في صدورهم « 2 » والباء في قوله : * ( بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّه ) * متعلقة بقوله * ( يَحْكُمُ ) * . وقوله * ( اسْتُحْفِظُوا ) * من الاستحفاظ بمعنى طلب الحفظ بعناية وفهم ، إذ أن السين والتاء للطلب ، والضمير في * ( اسْتُحْفِظُوا ) * يعود على النبيين والربانيين والأحبار . والمعنى : إنا أنزلنا التوراة فيها هداية للناس إلى الحق ، وضياء لهم من ظلمات الباطل ، وهذه التوراة يحكم بها بين اليهود أنبياؤهم الذين أسلموا وجوههم للَّه ، وأخلصوا له العبادة والطاعة ، ويحكم أيضا بينهم الربانيون والأحبار الذين هم خلفاء الأنبياء . وكان هذا الحكم منهم بالتوراة بين اليهود ، بسبب أنه - تعالى - حملهم أمانة حفظ كتابه ، وتنفيذ أحكامه وشرائعه وتعاليمه . ويصح أن يكون قوله * ( بِمَا اسْتُحْفِظُوا ) * متعلقا بالربانيين والأحبار ، وأن يكون الضمير عائدا عليهم وحدهم . أي : على الربانيين والأحبار ويكون الاستحفاظ بمعنى أن الأنبياء قد طلبوا منهم حفظه وتطبيق أحكامه . والمعنى : كذلك الربانيون والأحبار كانوا يحكمون بالتوراة بين اليهود . بسبب أمر أنبيائهم إياهم بأن يحفظوا كتاب اللَّه من التغيير والتبديل . وقوله : * ( وكانُوا عَلَيْه شُهَداءَ ) * معطوف على * ( اسْتُحْفِظُوا ) * . أي : وكان الأنبياء والربانيون والأحبار شهداء على الكتاب الذي أنزله اللَّه - وهو التوراة - بأنه حق ، وكانوا رقباء على تنفيذ حدوده ، وتطبيق أحكامه حتى لا يهمل شيء منها . قال الفخر الرازي قوله : * ( بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّه ) * : حفظ كتاب اللَّه على وجهين :

--> ( 1 ) تفسير ابن جرير ج 6 ص 39 ( 2 ) تفسير القرطبي ج 6 ص 189