سيد محمد طنطاوي
156
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ويجوز أن يكون المعنى : أنهم كثير والسماع للكذب عن محبة ورغبة ، وأنهم كثير والسماع لما يقوله الرسول صلى اللَّه عليه وسلم لينقلوه إلى قوم آخرين - من أشباههم في الكفر والعناد - ولم يحضروا مجالس الرسول صلى اللَّه عليه وسلم أنفة وبغضا فأنت ترى أن القرآن قد وصفهم بفساد بواطنهم حيث استحبوا الكذب على الصدق . كما وصفهم بضعف نفوسهم حيث صاروا مطايا لغيرهم يطيعون أمرهم ويبلغون أخبار المسلمين ، فهم عيون على المسلمين ليبلغوا أخبارهم إلى زعماء الكفر والنفاق . وإلى هذين المعنيين أشار صاحب الكشاف بقوله : ومعنى * ( سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ) * : قابلون لما يفتريه الأحبار ويفتعلونه من الكذب على اللَّه وتحريف كتابه ، من قولك : الملك يسمع كلام فلان ، ومنه سمع اللَّه لمن حمده . وقوله : * ( سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ) * يعنى اليهود الذين لم يصلوا إلى مجلس رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وتجافوا عنه لما أفرط فيهم من شدة البغضاء . وتبالغ من العداوة ، أي : قابلون من الأحبار ومن أولئك المفرطين في العداوة الذين لا يقدرون أن ينظروا إليك وقيل : سماعون إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم لأجل أن يكذبوا عليه ، بأن يمسخوا ما سمعوا منه بالزيادة والنقصان والتبديل والتغيير سماعون من رسول اللَّه لأجل قوم آخرين من اليهود وجهوهم عيونا ليبلغوهم ما سمعوا منه » « 1 » . وقوله : * ( يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِه ) * . صفة أخرى للقوم الآخرين الذين لم يأتوا إلى مجالس الرسول صلى اللَّه عليه وسلم أنفة وبغضا . أو للمسارعين في الكفر من الفريقين . وقوله : يُحَرِّفُونَ من التحريف وأصله من الحرف وهو طرف الشيء . ومعناه إمالة الكلام عن معناه ، وإخراجه عن أطرافه وحدوده . والكلم : اسم جنس جمعى للفظ كلمة ومعناه الكلام . أي أن هؤلاء القوم الآخرين الذين لم يحضروا مجلسك نفورا منك ، أو هم والمسارعون في الكفر من المنافقين واليهود من صفاتهم ودأبهم تحريف جنس الكلم عن مواضعه . فهو يحرفون كلامك يا محمد ، ويحرفون التوراة ، ويحرفون معاني القرآن حسب أهوائهم وشهواتهم ويحرفون الحق الذي جئت به تارة تحريفا لفظيا ، وتارة تحريفا معنويا ، وتارة بغير ذلك من وجوه التحريف والتبديل . وقوله : * ( مِنْ بَعْدِ مَواضِعِه ) * أي : يحرفون الكلم من بعد استقرار مواضعه وبيان حلالها وحرامها .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف وحاشيته ج 1 ص 633