سيد محمد طنطاوي

152

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

اللَّه - تعالى - : * ( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ ) * « 1 » . وأخرج الإمام أحمد عن ابن عباس قال : إن اللَّه أنزل : * ( ومَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّه فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ) * و * ( فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) * وأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ . قال ابن عباس : أنزلها اللَّه في الطائفتين من اليهود . وكانت إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهلية ، حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة فديته خمسون وسقا « 2 » . وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق . فكانوا على ذلك حتى قدم النبي صلى اللَّه عليه وسلم فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلا ، فأرسلت العزيزة إلى الذليلة أن ابعثوا لنا بمائة وسق فقالت الذليلة : وهل كان في حيين دينهما واحد ونسبهما واحد ، وبلدهما واحد ، دية بعضهم نصف دية بعض ؟ إنما أعطيناكم هذا خوفا منكم ، فأما إذ قدم محمد صلى اللَّه عليه وسلم فلا نعطيكم ، فكادت الحرب تهيج بينهما . ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم حكما بينهم . ثم ذكرت العزيزة فقالت : واللَّه ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم . ولقد صدقوا . ما أعطونا هذا إلا خوفا منا . فدسوا إلى محمد من يخبر لكم رأيه . إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه ، وإن لم يعطكم لا تحكموه . فدسوا إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ناسا من المنافقين ليخبروا لهم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فلما جاؤه أخبر اللَّه رسوله بأمرهم كله وما أرادوا . فأنزل اللَّه - تعالى - : * ( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ ) * إلى قوله : ومَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّه فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ « 3 » . قال ابن كثير - بعد أن ساق هذه الأحاديث وغيرها - فهذه الأحاديث دالة على أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم حكم بما يوافق حكم التوراة . وليس هذا من باب الإكرام لهم بما يعتقدون صحته ، لأنهم مأمورون باتباع الشرع المحمدي لا محالة ، ولكن هذا بوحي خاص من اللَّه - تعالى - إليه بذلك وسؤالهم إياه عن ذلك ليقررهم على ما بأيديهم مما تواطأوا على كتمانه وجحوده وعدم العمل به تلك الدهور الطويلة . فلما اعترفوا به مع عملهم على خلافه ، ظهر زيفهم وعنادهم وتكذيبهم لما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم ، وعدولهم إلى تحكيم الرسول صلى اللَّه عليه وسلم إنما كان عن هوى منهم وشهوة لموافقة آرائهم لا لاعتقادهم صحة ما يحكم به ، ولهذا قالوا : * ( إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوه ) * ، أي : إن حكم بالجلد والتحميم فاقبلوا حكمه ، * ( وإِنْ لَمْ تُؤْتَوْه فَاحْذَرُوا ) * أي : وإن لم يحكم بذلك فاحذروا من قبوله واتباعه « 4 » .

--> ( 1 ) صحيح مسلم - كتاب الحدود ج 5 ص 122 طبعة مصطفى الحلبي سنة 1380 ه ( 2 ) الوسق : ستون صاعا . ( 3 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 60 ( 4 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 58