سيد محمد طنطاوي

141

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد اللَّه . وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد » . ثم قال : والتوسل بالنبي صلى اللَّه عليه وسلم والتوجه به في كلام الصحابة ، يريدون التوسل به وشفاعته . والتوسل به في عرف كثير من المتأخرين يراد به الإقسام به والسؤال به . وحينئذ فلفظ التوسل به صلى اللَّه عليه وسلم يراد به معنيان صحيحان باتفاق المسلمين ويراد به معنى ثالث لم ترد به سنة . أما المعنيان الصحيحان . فأحدهما : التوسل بالإيمان به وبطاعته . والثاني : دعاؤه وشفاعته . ومن هذا قول عمر بن الخطاب : اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا ، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا - العباس - فاسقنا أي بدعائه وشفاعته . والتوسل بدعائه وشفاعته كما قال عمر - هو توسل بدعائه لا بذاته ، ولهذا عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بعمه العباس . فلما عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بالعباس ، علم أن ما يفعل في حياته قد تعذر بموته . وأما المعنى الثالث الذي لم ترد به سنة فهو التوسل به بمعنى الإقسام على اللَّه بذاته والسؤال بذاته ، فهذا لم يكن الصحابة يفعلونه لا في حياته ولا بعد مماته ولا عند قبره ولا غير قبره . ولا يعرف في شيء من الأدعية المشهورة بينهم وإنما ينقل شيء من ذلك في أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة . أو عمن ليس قوله حجة » « 1 » . قال الآلوسي ما ملخصه : واستدل بعض الناس بهذه الآية على مشروعية الاستغاثة بالصالحين ، وجعلهم وسيلة بين اللَّه - تعالى - وبين العباد والقسم على اللَّه - تعالى - بهم ، بأن يقال : اللهم إنا نقسم عليك بفلان أن تعطينا كذا . ومنهم من يقول للغائب أو للميت من عباد اللَّه الصالحين : يا فلان ادع اللَّه أن يرزقني كذا وكذا ويزعمون أن ذلك من ابتغاء الوسيلة وكل ذلك بعيد عن الحق بمراحل . وتحقيق الكلام في هذا المقام أن الاستغاثة بمخلوق وجعله وسيلة بمعنى طلب الدعاء منه لا شك في جوازه إن كان المطلوب منه حيا ، ولا يتوقف على أفضليته من الطالب ، بل قد يطلب الفاضل من المفضول ، فقد صح أنه صلى اللَّه عليه وسلم قال لعمر لما استأذنه في العمرة : « لا تنسنا يا أخي من دعائك » . ولم يرد عن أحد من الصحابة - وهم أحرص الناس على كل خير - أنه طلب من ميت شيئا . وأما القسم على اللَّه - تعالى - بأحد من خلقه مثل أن يقال : اللهم إني أقسم عليك أو

--> ( 1 ) من كتاب الوسيلة « للإمام ابن تيمية » نقلا عن تفسير القاسمي ج 6 ص 1968