سيد محمد طنطاوي
125
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والندم : أسف الفاعل على فعل صدر منه . قال الراغب : الندم والندامة التحسر من تغير رأى في أمر فائت . قال - تعالى - : * ( فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ) * . وأصله من منادمة الحزن له وملازمته إياه » « 1 » . والمعنى : فأصبح قابيل الذي قتل أخاه هابيل بغيا وحسدا من النادمين على ما اقترف من فواحش تدل على جهله ، وبغيه ، وتمكن الحقد من نفسه . قال صاحب المنار : والندم الذي ندمه - قابيل - هو ما يعرض لكل إنسان عقب ما يصدر عنه من الخطأ في فعل إذا ظهر له أن فعله كان شرا له لا خيرا . وقد يكون الندم توبة إذا كان سببه الخوف من اللَّه ، والتألم من تعدى حدوده ، وهذا هو المراد بحديث « الندم توبة » - رواه أحمد والبخاري في تاريخه والحاكم والبيهقي . وأما الندم الطبيعي الذي أشرنا إليه فلا يعد وحده توبة . وفي حديث ابن مسعود في الصحيحين مرفوعا : « لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم كفل - أي نصيب - من دمها لأنه أول من سن القتل » « 2 » . ثم بين - سبحانه - بعد أن ساق ما جرى بين ابني آدم - ما شرعه من شرائع تردع المعتدى ، وتبشر التقى فقال - تعالى - : * ( مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّه مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ، ومَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ) * . وأصل معنى الأجل : الجناية التي يخشى منها آجلا . يقال : أجل الرجل على أهله شرا يأجله - بضم الجيم وكسرها - أجلا إذا جناه أو أثاره وهيجه ، ثم استعمل في تعليل الجنايات كما في قولهم : من أجلك فعلت كذا . أي بسببك ، ثم اتسع فيه فاستعمل في كل تعليل . والجار والمجرور * ( مِنْ أَجْلِ ) * متعلق بالفعل * ( كَتَبْنا ) * واسم الإشارة * ( ذلِكَ ) * يعود إلى ما ذكر في تضاعيف قصة ابن آدم من أنواع المفاسد المترتبة على هذا القتل الحرام . والمعنى : بسبب قتل قابيل لأخيه هابيل حسدا وظلما ، ومن أجل ما يترتب على القتل بغير حق من مفاسد * ( كَتَبْنا ) * أي فرضنا وأوجبنا * ( عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ ) * في التوراة ما يردع المعتدى وما يبشر المتقى . قال الجمل : قال بعضهم : إن قوله : * ( مِنْ أَجْلِ ذلِكَ ) * من تمام الكلام الذي قبله - أي أنه
--> ( 1 ) مفردات القرآن للراغب الاصفهاني ج 486 . ( 2 ) تفسير المنار ج 6 ص 347 .