سيد محمد طنطاوي

120

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وبسط اليد : مدها والمراد هنا : مدها بالاعتداء . والمعنى : لئن مددت إلى - يا أخي - يدك لتقتلني ظلما وحسدا * ( ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ ) * فإن القتل - وخصوصا بين الأخوة جريمة منكرة ، تأباها شرائع اللَّه - تعالى - وتنفر منها العقول السليمة . وإذا كان الأخ الظالم قابيل قد أكد تصميمه على قتل أخيه هابيل بجملة قسمية وهي * ( لأَقْتُلَنَّكَ ) * فإن هابيل قد أكد عدم قتله له بجملة قسمية - أيضا وهي * ( لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ ) * . فأنت ترى أن الجملة الكريمة تصور أكمل تصوير ما بين الأخيار والأشرار من تضاد . قال الآلوسي : قيل كان هابيل أقوى من قابيل ولكنه تحرج عن قتله واستسلم له خوفا من اللَّه - تعالى - لأن المدافعة لم تكن جائزة في ذلك الوقت ، وفي تلك الشريعة . أو تحريا لما هو الأفضل والأكثر ثوابا وهو كونه مقتولا ، لا قاتلا » « 1 » . وقوله : * ( إِنِّي أَخافُ اللَّه رَبَّ الْعالَمِينَ ) * جملة تعليلية مسوقة لبيان سبب امتناع هابيل عن بسط يده إلى أخيه قابيل . أي : إني أخاف اللَّه رب العالمين أن يراني باسطا يدي إليك بالقتل . وقد أكد خوفه من اللَّه - تعالى - بأن المؤكدة للقول ، وبذكره له - سبحانه - بلفظ الجلالة ، المشعر بأنه هو وحده صاحب السلطان ، وبوصفه له عز وجل بأنه رب العالمين ، أي : منشئ الكون ومن وما فيه ، وصاحب النعم التي لا تحصى على خلقه . وفي هذه الجملة الكريمة إرشاد لقابيل لخشية اللَّه على أتم وجه ، وتعريض بأن القاتل لا يخاف اللَّه . ثم انتقل هابيل من وعظ أخيه بتطهير قلبه وبتذكيره بما تقتضيه الأخوة من بر وتسامح إلى تخويفه من عقاب الآخرة فقال : * ( إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ ، وذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ ) * : وقوله : * ( أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وإِثْمِكَ ) * ، أي ترجع . وتقر : من البوء وهو الرجوع واللزوم ، يقال : باء إليه : أي : رجع ، وبؤت به إليه أي رجعت . والآية الكريمة تعليل آخر لامتناعه عن بسط يده إلى أخيه ، ولم تعطف على ما قبلها للإيذان باستقلالها في العلية ، ولدفع توهم أن تكون جزء علة لا علة تامة .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 6 ص 112