سيد محمد طنطاوي
11
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
بالوفاء بالعهود ، وبالتزام التكاليف التي كلفهم اللَّه بها ، ثم أردفت ذلك ببيان الحلال من الذبائح والحرام منها ، ثم بيان حكم طعام أهل الكتاب ، وحكم الزواج بالكتابيات . وبعد أن تكلمت عن المباحات التي يحتاج إليها الجسد أتبعت ذلك بالحديث عن الصلاة التي هي غذاء الروح ، فأمرت المؤمنين بأن يدخلوها متطهرين ، ووضحت لهم أنه - سبحانه - لا يريد من وراء ما يشرعه لهم الضيق أو الحرج وإنما يريد لهم الخير والطهر وإتمام النعمة : ما يُرِيدُ اللَّه لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ولكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ولِيُتِمَّ نِعْمَتَه عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ . ثم أمرت المؤمنين بالتزام العدل مع الأصدقاء . ومع الأعداء ، ووعدت المطيعين للَّه - تعالى - بالمغفرة والأجر العظيم ، وتوعدت الكافرين بآيات اللَّه بعذاب الجحيم ، ثم ذكرت المؤمنين بجانب من مظاهر فضل اللَّه عليهم ورحمته بهم ، حيث كف أيدي المعتدين عنهم . وحماهم من مكرهم . قال - تعالى - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّه عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ ، فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ، واتَّقُوا اللَّه ، وعَلَى اللَّه فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ « 1 » . - ثم نراها في الربع الثاني « 2 » منها تحكى لنا جانبا من رذائل أهل الكتاب . فتبين كيف أن اللَّه - تعالى - أخذ عليهم العهد والميثاق بأن يؤمنوا به ويطيعوه ولكنهم نقضوا عهودهم ، فكانت نتيجة ذلك أن لعنهم اللَّه ، وأن أدام بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة . ثم وجهت نداء إلى أهل الكتاب أرشدتهم فيه إلى طريق الحق ، وأمرتهم باتباعه . ووبخت الذين قالوا إِنَّ اللَّه هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ . وحكت جانبا من الدعاوى الباطلة التي ادعاها اليهود والنصارى ، حيث قالوا : نَحْنُ أَبْناءُ اللَّه وأَحِبَّاؤُه . ثم وجهت نداء ثانيا إلى أهل الكتاب أمرتهم فيه باتباع محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لأنهم بسبب عدم اتباعه سيكون مصيرهم إلى النار ، ولن يقبل اللَّه منهم عذرا بعد أن أرسل إليهم - سبحانه - من يبشرهم وينذرهم . قال تعالى : يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ ، فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ ونَذِيرٌ ، واللَّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . ثم حكت السورة الكريمة قصة من قصص موسى - عليه السلام - مع بني إسرائيل . فقد ساقت بأسلوبها البليغ إغراءه لهم بدخول الأرض المقدسة ، ولكنهم جبنوا واتخذوا
--> ( 1 ) الآيات من 1 - 11 ( 2 ) الآيات من 12 - 26