سيد محمد طنطاوي
116
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
على طريقة آبائهم المعوجة ، حتى لا يعرضوا أنفسهم للعقوبات التي حلت بأسلافهم . قال الإمام ابن جرير : عند تفسيره للآيات الكريمة : وهذا - أيضا - من اللَّه - تعالى تعريف - لنبيه صلى اللَّه عليه وسلم بتمادي هؤلاء اليهود في الغي ، وبعدهم عن الحق ، وسوء اختيارهم لأنفسهم ، وشدة خلافهم لأنبيائهم وبطء إثابتهم إلى الرشاد ، مع كثرة نعم اللَّه عندهم ، وتتابع آياته وآلائه عليهم ، مسليا بذلك نبيه صلى اللَّه عليه وسلم عما ينزل به من مجادلاتهم في ذات اللَّه ، يقول اللَّه - له : لا تأس على ما أصابك منهم ، فإن الذهاب عن اللَّه ، والبعد عن الحق ، وما فيه من الحظ لهم في الدنيا والآخرة ، من عاداتهم وعادات أسلافهم ، وأوائلهم ، وتعزّ بما لاقى منهم أخوك موسى - عليه السلام - « 1 » . وقال الإمام ابن كثير : وهذه القصة تضمنت تقريع اليهود ، وبيان فضائحهم ، ومخالفتهم للَّه ولرسوله ، ونكولهم عن طاعتهما فيما أمرهم به من الجهاد ، فضعفت أنفسهم عن مصابرة الأعداء ومجالدتهم ومقاتلتهم ، مع أن بين أظهرهم كليم اللَّه وصفيه من خلقه في ذلك الزمان . وهو يعدهم بالنصر والظفر بأعدائهم . هذا مع ما شاهدوا من فعل اللَّه بعدوهم فرعون من الغرق له ولجنوده في اليم وهم ينظرون . لتقر به أعينهم - وما بالعهد من قدم - ثم ينكلون عن مقاتلة أهل بلد هي بالنسبة إلى ديار مصر لا توازن عشر المعشار في عدة أهلها وعددهم . وظهرت قبائح صنيعهم للخاص والعام وافتضحوا فضيحة لا يغطيها الليل ، ولا يسترها الذيل . وقال - رحمه اللَّه - قبل ذلك : وما أحسن ما أجاب به الصحابة - رضى اللَّه عنهم - يوم بدر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم حين استشارهم في قتال قريش . فقد قالوا فأحسنوا . لقد قال المقداد : يا رسول اللَّه ، إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى * ( فَاذْهَبْ أَنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ) * ولكن نقول لك : « اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون » « 2 » كذلك يؤخذ من هذه القصة أن معصية اللَّه ورسله تؤدى إلى الخسران ، فإن بني إسرائيل لما جبنوا عن دخول الأرض المقدسة ، وعصوا أمر نبيهم ، عاقبهم اللَّه بالتيه مدة أربعين سنة ، صارت قصتهم عبرة للمعتبرين ، وموعظة للمتقين . وبعد أن ساق - سبحانه - جوانب متعددة من أحوال أهل الكتاب وما جبلوا عليه من أخلاق سيئة ، أتبع ذلك بقصة ابني آدم ، فقال - تعالى - :
--> ( 1 ) تفسير ابن جرير ج 6 ص 168 ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 39 بتصرف وتلخيص .