سيد محمد طنطاوي
113
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
نون - وكان ابن أخت موسى ووصيه بعد موته - وهو الذي فتح الأرض المقدسة - بعد انقضاء مدة التيه وقيل بل بقي موسى بعد ذلك وخرج من التيه وحارب الجبارين وقهرهم وأخذ الأرض المقدسة » « 1 » . هذا ونرى من المناسب في هذا المقام أن نتعرض بشيء من التفصيل للمسائل الآتية : أولا : الرد على اليهود في دعواهم أن الأرض المقدسة - فلسطين - ملك لهم مستندين إلى قوله - تعالى - : * ( ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّه لَكُمْ ) * ثانيا : الحكمة في كون عقابهم أربعين سنة يتيهون في الأرض . ثالثا : ما يؤخذ من هذه الآيات من العبر والعظات . وللإجابة على المسألة الأولى نقول : للمفسرين أقوال في المراد من الكتابة في قوله - تعالى - * ( ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّه لَكُمْ ) * أشهرها قولان : أولهما : أن معنى * ( كَتَبَ اللَّه لَكُمْ ) * : أمركم بدخولها ، وفرضه عليكم كما أمركم بالصلاة والزكاة فالكتب هنا مثله في قوله - تعالى - كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ : أي : فرض عليكم وهذا قول قتادة والسدي والثاني : أن معنى * ( كَتَبَ اللَّه لَكُمْ ) * قدرها لكم وقضى أن تكون مساكن لكم دون الجبارين . وهذا القضاء مشروط بالإيمان ، وطاعة الأنبياء ، والجهاد في سبيل نصرة الحق ، فإذا لم يكونوا كذلك - وهم لم يكونوا كذلك فعلا - لم يتحقق لهم التمكين في الأرض المقدسة ، ولذا بعد أن أغراهم نبيهم موسى - عليه السلام - بدخولها ، حذرهم من الجبن والعصيان فقال لهم : * ( ولا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ ) * . قال الآلوسي : « وترتيب الخيبة والخسران على الارتداد يدل على اشتراط الكتب بالمجاهدة المترتبة على الإيمان قطعا » « 2 » . وقال ابن عباس : كانت هبة من اللَّه لهم ثم حرمها - سبحانه - عليهم بشؤم تمردهم وعصيانهم . وقال الفخر الرازي : إن الوعد بقوله * ( كَتَبَ اللَّه لَكُمْ ) * مشروط بقيد الطاعة فلما لم يوجد الشرط لا جرم لم يوجد المشروط » « 3 » .
--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 199 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 6 ص 106 ( 3 ) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 197