سيد محمد طنطاوي
111
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وجبنهم : رب إنك تعلم أنى لا أملك لنصرة دينك أمر أحد ألزمه بطاعتك سوى أمر نفسي ، وأمر أخي هارون ، ولا ثقة لي في غيرنا أن يطيعك في العسر واليسر والمنشط والمكره . ولم يذكر الرجلين اللذين قالا لقومهما فيما سبق * ( ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ ) * لعدم ثقته الكاملة في دخولهما معه أرض الجبارين ، وفي وقوفهما بجانبه عند القتال إذا تخلى بقية القوم عنه فإن بعض الناس كثيرا ما يقدم على القتال مع الجيش الكبير ، ولكنه قد يحجم إذا رأى أن عدد المجاهدين قليل . ومن هنا لم يذكر أنه يملك أمر هذين الرجلين كما يملك أمر نفسه وأمر أخيه . وصرح موسى - عليه السلام - بأنه يملك أمر أخيه هارون كما يملك أمر نفسه ، لمؤازرته التامة له في كفاحه ظلم فرعون ، ولوقوفه إلى جانبه بعزيمة صادقة في كل موطن من مواطن الشدة وليقينه بأنه مؤيد بروح من اللَّه - تعالى . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : أما كان معه الرجلان المذكوران ؟ قلت كأنه لم يثق بهما كل الوثوق ، ولم يطمئن إلى ثباتهما لما ذاق على طول الزمان واتصال الصحبة من أحوال قومه ، وتلونهم وقسوة قلوبهم فلم يذكر إلا النبي المعصوم الذي لا شبهة في أمره . ويجوز أن يكون قال ذلك لفرط ضجره عندما سمع منهم تقليلا لمن يوافقه . ويجوز أن يريد ومن يؤاخينى على ديني » « 1 » . هذا وقد ذكر النحويون وجوها من الإعراب لقوله * ( وأَخِي ) * منها : أنه منصوب عطفا على قوله : * ( نَفْسِي ) * أي : ولا أملك إلا أخي مع ملكي نفسي دون غيرهما . وقوله - تعالى - : * ( فَافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ) * بيان لما يرجوه موسى من ربه - عز وجل - بعد أن خرج بنو إسرائيل عن طاعته . والفاء هنا لترتيب الفرق والدعاء به على ما قبله . والفرق معناه الفصل بين شيئين . والمعنى : قال موسى مخاطبا ربه : لقد علمت يا إلهي أنى لا أملك لنصرة دينك إلا أمر نفسي وأمر أخي ، أما قومي فقد خرجوا عن طاعتي وفسقوا عن أمرك وما دام هذا شأنهم فافصل بيننا وبينهم بقضائك العادل ، بأن تحكم لنا بما نستحق ، وتحكم عليهم بما يستحقون فإنك أنت الحكم العدل بين العباد . وهذا الرجاء من موسى لربه في معنى الدعاء عليهم بسبب جبنهم وعصيانهم وقد أجاب اللَّه - تعالى - دعاءه فيهم ، بأن أضلهم ظاهرا كما ضلوا باطنا وجاء الحكم الفاصل ممن يملكه فقال - تعالى - : * ( قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ ، فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ) * .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 623