سيد محمد طنطاوي
108
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ولا شك أن قولهم هذا الذي حكته الآية الكريمة عنهم ليدل على منتهى الجبن والضعف ، لأنهم لا يريدون أن ينالوا نصرا باستخدام حواسهم البدنية أو العقلية ، وإنما يريدون أن ينالوا ما يبغون بقوة الخوارق والآيات ، وأمة هذا شأنها لا تستحق الحياة الكريمة ، لأنها لم تقدم العمل الذي يؤهلها لتلك الحياة : وفي ندائهم لنبيهم باسمه مجردا * ( قالُوا يا مُوسى ) * سوء أدب منهم معه ، حيث استهانوا بمقام النبوة فنادوه باسمه حتى يكف عن دعوتهم إلى الجهاد . وفي قولهم * ( وإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها ) * امتناع عن القتال بإصرار شديد ، حيث أكدوا عدم دخولهم بحرف النفي * ( لَنْ ) * وجعلوا غاية النفي أن يخرج الجبارون منها ، مع أن خروجهم منها بدون قتال أمر مستبعد ، وهم لا يريدون قتالا ، بل يريدون دخولا من غير معاناة ومجاهدة . ثم بين القرآن بعد ذلك أن رجلين مؤمنين منهم قد استنكرا إحجام قومهما عن الجهاد ، وحرضاهم على طاعة نبيهم فقال : * ( قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِمَا ، ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوه فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ ، وعَلَى اللَّه فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) * . والمراد بالرجلين : يوشع بن نون ، وكالب بن يوقنا ، وكانا من الاثني عشر نقيبا . وقد وصف اللَّه - تعالى - هذين الرجلين بوصفين . أولهما : قوله : * ( مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ ) * أي : من الذين يخافون اللَّه وحده ويتقونه ولا يخافون سواه وفي وصفهم بذلك تعريض بأن من عداهما من القوم لا يخافونه - تعالى - بل يخافون العدو . وقيل المعنى : من الذين يخافون الأعداء ويقدرون قوتهم إلا أن اللَّه - تعالى - ربط على قلبيهما بطاعته . فجعلهما يقولان ما قالا : الوصف الثاني : فهو قوله : * ( أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِمَا ) * فهذه الجملة صفة ثانية للرجلين . أي : قال رجلان موصوفان بأنهما من الذين يخافون اللَّه - تعالى - ولا يخافون سواه ، وبأنهما من الذين أنعم اللَّه عليهما بالإيمان والتثبيت والثقة بوعده ، والطاعة لأمره قالا لقومهما . ادخلوا عليهم الباب . هذا ، وقد ذكر صاحب الكشاف وغيره وجها ثالثا فقال : ويجوز أن تكون الواو في قوله : * ( يَخافُونَ ) * - لبنى إسرائيل . والراجع إلى الموصول محذوف . والتقدير : قال رجلان من الذين يخاف بنو إسرائيل منهم ، - وهم الجبارون - وهما رجلان منهم « أنعم اللَّه عليهما » بالإيمان فآمنا ، قالا لهم : إن العمالقة أجسام لا قلوب فيها فلا تخافوهم وازحفوا إليهم فإنكم غالبوهم ،