سيد محمد طنطاوي

105

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة كتب ملكا » « 1 » . وهذه النعمة - أي : نعمة الحرية بعد الذل ، والسعة بعد الضيق - من النعم العظمى التي لا يقدرها ويحافظ عليها إلا أصحاب النفوس الكبيرة ، التي تعاف الظلم ، وتأبى الضيم ، وتحسن الشكر للَّه - تعالى - . قال صاحب الانتصاف : فإن قلت : فلما ذا لم يقل إذ جعلكم أنبياء ، كما قال : * ( وجَعَلَكُمْ مُلُوكاً ) * ؟ قلت . لأن النبوة مزية غير الملك . وآحاد الناس يشارك الملك في كثير مما به صار الملك ملكا ، ولا كذلك النبوة ، فإن درجتها أرفع من أن يشرك من لم تثبت له مع الثابتة نبوته في مزيتها وخصوصيتها ونعتها ، فهذا هو سر تمييز الأنبياء وتعميم الملوك » « 2 » . وأما النعمة الثالثة : فهي أنه - سبحانه - : آتاهم من ألوان الإكرام والمنن ما لم يؤت أحدا من عالمي زمانهم . فقد فلق لهم البحر فساروا في طريق يابس حتى نجوا وغرق عدوهم . وأنزل عليهم المن والسلوى ليأكلوا من الطيبات ، وفجر لهم من الحجر اثنتي عشرة عينا حتى يعلم كل أناس مشربهم . . إلى غير ذلك من ألوان النعم التي حباهم اللَّه - تعالى - بها ، والتي كانت تستلزم منهم المبادرة إلى امتثال أوامره ، واجتناب نواهيه . قال الآلوسي : و « أل » في * ( الْعالَمِينَ ) * للعهد : والمراد عالمو زمانهم . أو للاستغراق . والتفضيل من وجه لا يستلزم التفضيل من جميع الوجوه ، فإنه قد يكون للمفضول ما ليس للفاضل : وعلى التقديرين لا يلزم تفضيلهم على هذه الأمة المحمدية ، لأن الخطابات السابقة واللاحقة لبنى إسرائيل ، فوجود خطاب في الأثناء لغيرهم مما يخل بالنظم الكريم » « 3 » . وبعد هذا التذكير بالنعم ، وجه إليهم نداء ثانيا طلب منهم فيه دخول الأرض المقدسة فقال - كما حكى القرآن عنه : * ( يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّه لَكُمْ ، ولا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ ) * . ومعنى المقدسة : المطهرة المباركة بسبب أنها كانت موطنا لكثير من الأنبياء . والمراد بها . بيت المقدس وقيل المراد بها : اريحاء وقيل : الطور وما حوله . قال ابن جرير : وهي لا تخرج عن أن تكون من الأرض التي ما بين الفرات وعريش مصر ، لإجماع أهل التأويل والسير والعلماء بالأخبار على ذلك » .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 6 ص 105 . ( 2 ) حاشية الكشاف ج 1 ص 619 ( 3 ) تفسير الآلوسي ج 6 ص 106