سيد محمد طنطاوي
103
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
عند إرسالهم لمعرفة أحوال سكان الأرض المقدسة : « لا تخبروا أحدا سواي عما ترونه » . فلما دخل النقباء الأرض المقدسة ، واطلعوا على أحوال سكانها . وجدوا منهم قوة عظيمة ، وأجساما ضخمة . . فعاد النقباء إلى موسى وقالوا له - وهو في جماعة من بني إسرائيل - : قد جئنا إلى الأرض التي بعثتنا إليها ، فإذا هي في الحقيقة تدر لبنا وعسلا ، وهذا شيء من ثمارها ، غير أن الساكنين فيها أقوياء ، ومدينتهم حصينة . وأخذ كل نقيب منهم ينهى سبطه عن القتال . إلا اثنين منهم ، فإنهما نصحا القوم بطاعة نبيهم موسى - عليه السلام - وبقتال الكنعانيين معه . ولكن بني إسرائيل عصوا أمر هذين النقيبين ، وأطاعوا أمر بقية النقباء العشرة « وأصروا على عدم الجهاد ، ورفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا : يا ليتنا متنا في مصر أو في هذه البرية . وحاول موسى - عليه السلام - أن يصدهم عما تردوا فيه من جبن وعصيان وأن يحملهم على قتال الجبارين ولكنهم عموا وصموا . وأوحى اللَّه - تعالى - إلى موسى أن الأرض المقدسة محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض جزاء عصيانهم وجبنهم . هذا هو ملخص هذه القصة كما وردت في كتب التفسير والتاريخ . وقد حشا بعض المفسرين كتبهم بأوصاف للجبارين - الذين ورد ذكرهم في الآيات الكريمة - لا تقبلها العقول السليمة ، وليس لها أصل يعتمد عليه بل هي مما يستحى من ذكره كما قال ابن كثير « 1 » . هذا ، وقوله - تعالى - : * ( وإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِه يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّه عَلَيْكُمْ ) * كلام مستأنف ساقه اللَّه - تعالى - لبيان بعض ما فعله بنو إسرائيل من رذائل بعد أخذ الميثاق عليهم ، وتفصيل لكيفية نقضهم لهذا الميثاق . و * ( إِذْ ) * ظرف للزمن الماضي بمعنى وقت . وهو مفعول به لفعل ملاحظ في الكلام ، تقديره اذكر . وقد خوطب بهذا الفعل رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم بطريق قرينة الخطاب وصرفه عن أهل الكتاب ، ليعدد عليهم ما سلف من بعضهم من جنايات . أي : واذكر يا محمد لهؤلاء اليهود المعاصرين لك ، قول موسى لآبائهم على سبيل النصح والإرشاد : يا قوم اذكروا نعمة اللَّه عليكم . أي : تذكروا إنعامه عليكم بالشكر والطاعة . والمراد بذكر الوقت تذكر ما حدث فيه من وقائع وخطوب . قال أبو السعود : وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت ، دون ما وقع فيه من حوادث ، - مع أنها
--> ( 1 ) من ذلك ما جاء في وصفهم من أن منهم عوج بن عنق الذي كان طوله ثلاثة آلاف ذراع . وأن سبعين رجلا من قوم موسى استظلوا في ظل واحد منهم . وقال الآلوسي بعد أن حكى ما قيل فيهم من صفات . وهي عندي حديث خرافة .