سيد محمد طنطاوي

15

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ثم تحدثت عن الذين يؤذون رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فتوعدتهم بسوء المصير ، ووبختهم على جهالاتهم وضلالاتهم وسيرهم في ركاب الشيطان الذي يَعِدُهُمْ ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً . أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ ولا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً . ثم بينت أن اللَّه - تعالى - لا تنفع عنده الأماني والأنساب ، وإنما الذي ينفع عنده هو الإيمان والعمل الصالح . قال - تعالى - : لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ ولا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ ، مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِه ، ولا يَجِدْ لَه مِنْ دُونِ اللَّه وَلِيًّا ولا نَصِيراً . ومَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وهُوَ مُؤْمِنٌ ، فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ نَقِيراً . ثم تحدثت السورة الكريمة عن بعض الأحكام التي تتعلق بالنساء وأمرت بالإصلاح بين الزوجين ، وبينت أن العدل التام بين النساء من كل الوجوه غير مستطاع ، فعلى الرجال أن يكونوا متوسطين في حبهم وبغضهم ، وعليهم كذلك أن يعاشروا النساء بالمعروف وأن يفارقوهن كذلك بالمعروف وإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّه كُلًّا مِنْ سَعَتِه وكانَ اللَّه واسِعاً حَكِيماً . ثم وجهت السورة الكريمة في الربع العاشر منها نداء إلى المؤمنين أمرتهم فيه بأن يلتزموا الحق في كل شؤونهم ، وأن يجهروا به ولو على أنفسهم أو الوالدين والأقربين ، لأن العدالة المطلقة التي أتى بها الإسلام لا تعرف التفرقة بين الناس . ثم بينت السورة الكريمة حقيقة النفاق والمنافقين وكررت تحذيرها للمؤمنين من شرورهم . وإن أدق وصف لهؤلاء المنافقين هو قوله - تعالى - في شأنهم : مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ ، ولا إِلى هؤُلاءِ ومَنْ يُضْلِلِ اللَّه فَلَنْ تَجِدَ لَه سَبِيلًا . وقد توعدهم اللَّه بسبب نفاقهم وخداعهم بأشد ألوان العذاب فقال - سبحانه - : إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ولَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً . إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وأَصْلَحُوا واعْتَصَمُوا بِاللَّه ، وأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّه فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّه الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً . ثم حكت السورة الكريمة في الربع الحادي عشر منها ما أدب اللَّه به عباده ، وما أرشدهم إليه من خلق كريم وهو منع الجهر بالسوء من القول ، ولكنه - سبحانه - رخص للمظلوم أن يتكلم في شأن ظالمه بالكلام الحق . لأنه - تعالى - لا تخفى عليه خافية . قال - تعالى لا يُحِبُّ اللَّه الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وكانَ اللَّه سَمِيعاً عَلِيماً . إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوه أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّه كانَ عَفُوًّا قَدِيراً . ثم تحدثت عن بعض رذائل اليهود . وعن العقوبات التي عاقبهم اللَّه بها بسبب ظلمهم وفسوقهم .