سيد محمد طنطاوي

12

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ثم بينت السورة الكريمة بعد ذلك في الربع الخامس منها : الأساس الذي يقوم عليه الحكم في الإسلام ، فذكرت أن العدل والأمانة هما الدعامتان الراسختان اللتان يقوم عليهما الحكم في الإسلام . ووجهت إلى المؤمنين نداء أمرتهم فيه بطاعة اللَّه وطاعة رسوله وأولي الأمر منهم ، كما أمرتهم بأن يردوا كل تنازع يحصل بينهم إلى ما يقضى به كتاب اللَّه وسنة رسوله ، لأن التحاكم إلى غيرهما لا يليق بمؤمن . ثم أخذت السورة الكريمة في توبيخ المنافقين الذين يزعمون أنهم مؤمنون ومع ذلك يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِه . وأمرت النبي صلى اللَّه عليه وسلم بزجرهم وبالإعراض عنهم ، وأخبرته بأنهم لا إيمان لهم ما داموا لم يرتضوا حكمه . قال - تعالى - : فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيماً . وبعد هذا التهديد والتوبيخ للمنافقين ، ساقت السورة الكريمة البشارات السارة للمؤمنين الصادقين فقالت : ومَنْ يُطِعِ اللَّه والرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصَّالِحِينَ ، وحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً . ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّه وكَفى بِاللَّه عَلِيماً . ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك إلى الحديث عن الجهاد في سبيل اللَّه ، لأن الحق يجب أن يكون هو السائد في الأرض ولأن المؤمن لا يليق به أن يستسلم للأعداء ، بل عليه أن يجاهدهم وأن يغلظ عليهم حتى تكون كلمة اللَّه هي العليا . لذا نجد السورة الكريمة توجه إلى المؤمنين نداء تأمرهم فيه بالحذر وأخذ الأهبة لقتال أعدائهم ، وتحرضهم على هذا القتال للأعداء ، بأقوى ألوان التحريض وأحكمها . فأنت تراها في الربع السادس منها تأمر المؤمنين بالقتال في سبيل اللَّه ، وتبشر هؤلاء المقاتلين بأنهم لن يصيبهم إلا إحدى الحسنيين ، ومَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّه فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيه أَجْراً عَظِيماً . وتستبعد أن يقصر المؤمنون في أداء هذا الواجب ، لأن تقصيرهم يتنافى مع إيمانهم ، وما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّه ، والْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والْوِلْدانِ وتبين لهم أن قتالهم إنما هو من أجل إعلاء كلمة اللَّه ، وقتال أعدائهم لهم إنما هو من أجل إعلاء كلمة الطاغوت . الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّه ، والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ ، فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً .