سيد محمد طنطاوي
10
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
متراحمين متعاطفين ، ومن أبرز مظاهر التراحم ، الأخذ بيد الضعفاء ومعاونتهم في كل ما يحتاجون إليه . لذا نجد السورة الكريمة بعد أن تفتتح بأمر الناس بتقوى اللَّه ، تتبع ذلك بالأمر بالإحسان إلى اليتامى - الذين هم أوضح الضعفاء مظهرا - في خمس آيات في الربع الأول منها . وهذه الآيات هي قوله - تعالى - : وآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ ولا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ . وقوله - تعالى - : وإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ . وقوله - تعالى - : وابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ . وقوله - تعالى - : وإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى والْيَتامى والْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْه . وقوله - تعالى - : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً . ولم تكتف السورة الكريمة في أوائلها بالحض على الإحسان إلى اليتامى ، بل حضت - أيضا - على الإحسان إلى النساء ، وإعطائهن حقوقهن كاملة . ثم تراها بعد ذلك في الربع الثاني منها تتحدث عن التوزيع المالى للأسرة عندما يموت واحد منها ، وتضع لهذا التوزيع أحكم الأسس وأعدلها وأضبطها وتبين أن هذا التوزيع حد من حدود اللَّه التي يجب التزامها وعدم مخالفتها . قال - تعالى - : تِلْكَ حُدُودُ اللَّه ، ومَنْ يُطِعِ اللَّه ورَسُولَه يُدْخِلْه جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ، ومَنْ يَعْصِ اللَّه ورَسُولَه ويَتَعَدَّ حُدُودَه يُدْخِلْه ناراً خالِداً فِيها ولَه عَذابٌ مُهِينٌ . ثم تحدثت السورة الكريمة عن حكم النسوة اللاتي يأتين الفاحشة ، وعن التوبة التي يقبلها اللَّه - تعالى - ، والتوبة التي لا يقبلها . ووجهت نداء إلى المؤمنين نهتهم فيه عن أخذ شيء من حقوق النساء ، وأمرتهم بحسن معاشرتهن ، كما نهتهم عن نكاح أنواع معينة منهن ، لأن نكاحهن يتنافى مع شريعة الإسلام وآدابه . قال - تعالى - : ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ ، إِنَّه كانَ فاحِشَةً ومَقْتاً وساءَ سَبِيلًا . ثم تراها في الربع الثالث منها تتحدث عن المحصنات من النساء وعن حقوقهن ، وبينت للناس أن اللَّه - تعالى - ما شرع هذه الأحكام القويمة إلا لمصلحتهم ومنفعتهم .