سيد محمد طنطاوي
92
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
يتقبل دعاء عباده الصالحين ، وينبتهم نباتا حسنا ، ويرعاهم برعايته ، يرزقهم من حيث لا يحتسبون . ولقد كان ما رآه زكريا - عليه السّلام - من أحوال مريم من الأسباب التي جعلته - وهو الشيخ الهرم - يتضرع إلى اللَّه أن يرزقه الذرية الصالحة ، وقد حكى القرآن ذلك بأسلوبه البليغ فقال - تعالى - : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 38 إلى 41 ] هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّه قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ ( 38 ) فَنادَتْه الْمَلائِكَةُ وهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّه يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّه وسَيِّداً وحَصُوراً ونَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ( 39 ) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّه يَفْعَلُ ما يَشاءُ ( 40 ) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ والإِبْكارِ ( 41 ) قوله - تعالى * ( هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّه ) * كلام مستأنف ، وقصة مستقلة سيقت في تضاعيف قصة مريم وأمها لما بينهما من قوة الارتباط ، وشدة الاشتباك مع ما في إيرادها من تقرير ما سبقت له قصة مريم وأمها من بيان اصطفاء آل عمران . و « هنا » ظرف يشار به إلى المكان القريب كما في قوله - تعالى - إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ وتدخل عليه السلام والكاف « هنالك » أو الكاف وحدها « هناك » فيكون للبعيد وقد يشار به للزمان اتساعا . والمعنى : في ذلك المكان الطاهر الذي كان يلتقى فيه زكريا بمريم ويرى من شأنها ما يرى من فضائل وغرائب ، تحركت في نفس زكريا عاطفة الأبوة ، وهو الشيخ الكبير الذي وهن عظمه واشتعل رأسه شيبا ، وبلغ من الكبر عتيّا - فدعا اللَّه تعالى - بقلب سليم ، وبنفس صافية