سيد محمد طنطاوي
86
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
على المفعولية بفعل محذوف والتقدير : اذكر لهم وقت قولها رب إني نذرت . . ألخ . وقيل هو متعلق بقوله * ( واللَّه سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) * أي أنه - سبحانه - يعلم علم ما يسمع في الوقت الذي قالت فيه امرأة عمران ذلك القول . وامرأة عمران هذه هي « حنة » بنت فاقوذا بن قنبل وهي أم مريم وجدة عيسى عليه السّلام وعمران هذا هو زوجها ، وهو أبو مريم . وقوله * ( نَذَرْتُ ) * من النذر وهو التزام التقرب إلى اللَّه - تعالى - بأمر من جنس العبادات التي شرعها - سبحانه - لعباده ليتقربوا بها إليه . وقوله * ( مُحَرَّراً ) * أي عتيقا مخلصا للعبادة متفرغا من شواغل الدنيا لخدمة بيتك المقدس . يقال : حررت العبد إذا خلصته من الرق وحررت الكتاب إذا أصلحته ولم تبق فيه شيئا من وجوه الخطأ ، ورجل حر إذا كان خالصا لنفسه ليس لأحد عليه سلطان . والمعنى : اذكر أيها العاقل لتعتبر وتتعظ وقت أن لجأت امرأة عمران إلى ربها تدعوه بضراعة وخشوع فتقول : يا رب إني نذرت لخدمة بيتك هذا الجنين الذي في بطني مخلصا لعبادتك متفرغا لطاعتك فتقبل منى هذا النذر الخالص ، وتلك النية الصادقة ، * ( إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ ) * لقولي ولأقوال خلقك * ( الْعَلِيمُ ) * بنيتي وبنوايا سائر عبادك . فأنت ترى في هذا الدعاء الخاشع الذي حكاه القرآن عن امرأة عمران أسمى ألوان الأدب والإخلاص ، فقد توجهت إلى ربها بأعز ما تملك وهو الجنين الذي في بطنها ، ملتمسة منه - سبحانه - أن يقبل نذرها الذي وهبته لخدمة بيته ، واللام في قوله « لك » للتعليل أي نذرت لخدمة بيتك . وقوله * ( مُحَرَّراً ) * حال من « ما » والعامل فيه « نذرت » . قال بعضهم : « وكان هذا النذر يلزم في شريعتهم فكان المحرر عندهم إذا حرر جعل في الكنيسة يخدمها ولا يبرح مقيما فيها حتى يبلغ الحلم ، ثم يتخير فإن أحب ذهب حيث شاء ، وإن اختار الإقامة لا يجوز له بعد ذلك الخروج . ولم يكن أحد من أنبياء بني إسرائيل وعلمائهم إلا ومن أولاده من حرر لخدمة بيت المقدس ولم يكن يحرر إلا الغلمان ، ولا تصلح الجارية لخدمة بيت المقدس لما يصيبها من الحيض والأذى » « 1 » . وجملة * ( إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) * تعليلية لاستدعاء القبول ، من حيث أن علمه - سبحانه - بصحة نيتها وإخلاصها مستدع لقبول نذرها تفضلا منه وكرما .
--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 462 .