سيد محمد طنطاوي

74

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وبذلك نرى أن هاتين الآيتين الكريمتين قد وصفتا الخالق - عز وجل - بما هو أهله ، من قدرة تامة وسلطان نافذ ، ورحمة واسعة ، وهذا الوصف من شأنه أن يحمل كل عاقل على إخلاص العبادة له - سبحانه - وعلى الاستجابة لكل ما أمر به أو نهى عنه رغبة في ثوابه ، ورهبة من عقابه . وبعد أن بين - سبحانه - أنه هو وحده مالك الملك ، وأنه على كل شيء قدير ، عقب ذلك بنهي المؤمنين عن موالاة أعدائه بسبب قرابة أو صداقة أو نحوهما ، فقال - تعالى - [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 28 ] لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ومَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّه فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً ويُحَذِّرُكُمُ اللَّه نَفْسَه وإِلَى اللَّه الْمَصِيرُ ( 28 ) أورد المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات : منها أن جماعة من اليهود كانوا يصادقون جماعة من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم فقال رفاعة ابن المنذر ، وعبد اللَّه بن جبير ، وسعيد بن خيثمة لأولئك النفر من الأنصار : اجتنبوا هؤلاء اليهود واحذروا ملازمتهم ومباطنتهم لئلا يفتنوكم عن دينكم ، فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم وملازمتهم ، فأنزل اللَّه - تعالى - هذه الآية » « 1 » . وقوله * ( أَوْلِياءَ ) * جمع ولى ، والولاء والتوالي - كما يقول الراغب : أن يحصل شيئان فصاعدا حصولا ليس بينهما ما ليس منهما ، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان ، ومن حيث النسبة ومن حيث الدين ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد . والولاية - بكسر الواو - النصرة والولاية - بفتحها - تولى الأمر ، وقيل هما بمعنى واحد » « 2 » . و « لا » ناهية . والفعل « يتخذ » مجزوم بها ، وهو متعد لمفعولين : أولهما : * ( الْكافِرِينَ ) * . وثانيهما : * ( أَوْلِياءَ ) * . والمعنى : لا يحل للمؤمنين أن يتخذوا الكافرين أولياء ونصراء ، بل عليهم أن يراعوا ما فيه

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 3 ص 120 . ( 2 ) مفردات القرآن للراغب الأصفهاني ص 533 .