سيد محمد طنطاوي

72

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والمعنى : أنت يا اللَّه يا ملك الملك ، أنت وحدك الذي تؤتى الملك لمن تشاء أن تؤتيه له ، وتنزعه ممن تريد نزعه منه ، وأنت وحدك الذي تعز من تشاء إعزازه بالنصر والتوفيق ، وتذل من تشاء إذلاله بالهزيمة والخذلان ، ثم ختم - سبحانه - الآية بهذا التسليم المطلق من المؤمنين لذاته فقال - تعالى - : * ( بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) * . أي أنت وحدك الذي تملك الخير كله ، وتتصرف فيه حسب إرادتك ومشيئتك ، لأنك على كل شيء قدير . وأل في الخير للاستغراق الشامل ، إذ كل خير فهو بيده - سبحانه - وقدرته ، وتقديم الجار والمجرور * ( بِيَدِكَ ) * لإفادة الاختصاص ، أي بيدك وحدك على الحقيقة لا بيد غيرك ، وجملة « إنك على كل شيء قدير » تعليلية . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : « كيف قال * ( بِيَدِكَ الْخَيْرُ ) * فذكر الخير دون الشر قلت : لأن الكلام إنما وقع في الخير الذي يسوقه إلى المؤمنين وهو الذي أنكرته الكفرة فقال بيدك الخير ، تؤتيه أولياءك على رغم من أعدائك ، ولأن أفعال اللَّه - تعالى - من نافع وضار صادر عن الحكمة والمصلحة فهو خير كله كإيتاء الملك ونزعه » « 1 » . ثم ذكر - سبحانه - مظهرا حسيا من مظاهر قدرته الباهرة فقال : * ( تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ ) * . الولوج في الأصل : الدخول ، والإيلاج الإدخال . يقال : ولج فلان منزله إذا دخله ، فهو يلجه ولجا وولوجا . وأولجته أنا إذا أدخلته ، ثم استعير لزيادة زمان النهار في الليل وعكسه بحسب المطالع والمغارب . أي أنت يا اللَّه يا مالك الملك . أنت الذي بقدرتك تدخل طائفة من الليل في النهار فيقصر الليل ويزيد النهار وتدخل طائفة من النهار في الليل فيقصر النهار ويزيد الليل ، وأنت وحدك الذي بقدرتك أن تجعلهما متعاقبين بأن تأتى بالليل رويدا رويدا في أعقاب النهار ، وتأتى بالنهار شيئا فشيئا في أعقاب الليل . وفي كل ذلك دليل على سعة قدرتك ، وواسع رحمتك . وتذكير واعتبار لأولى الألباب . ثم ذكر - سبحانه - مظهرا حسيا آخر من مظاهر قدرته فقال : * ( تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ) * . قال الفخر الرازي : ذكر المفسرون فيه وجوها .

--> ( 1 ) راجع تفسير الكشاف ج 1 ص 350 .