سيد محمد طنطاوي
66
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
الرجم فنزع يده عن الرجم . فقال ما هذه ؟ - أي أن عبد اللَّه بن سلام رفع يد القارئ عن آية الرجم وقال له ما هذه - فلما رأى اليهود ذلك قالوا : هي آية الرجم ، فأمر بهما فرجما قريبا من حيث موضع الجنائز عند المسجد » « 1 » . وقال ابن عباس : دخل رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بيت المدارس على جماعة من يهود - أي دخل عليهم في المكان الذي يتدارسون فيه علومهم - فدعاهم إلى اللَّه . فقال له بعضهم : على أي دين أنت يا محمد ؟ فقال : إني على ملة إبراهيم ودينه . فقالوا : فإن إبراهيم كان يهوديا ، فقال النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فهلموا إلى التوراة هي بيننا وبينكم فأبوا عليه فأنزل اللَّه هذه الآيات . وذكر النقاش أنها نزلت لأن جماعة من اليهود أنكروا نبوة محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقال لهم : « هلموا إلى التوراة ففيها صفتي » فأبوا » « 2 » . قال ابن جرير ما ملخصه : وأولى الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصواب أن يقال : إن اللَّه - تعالى - قد أخبر عن طائفة من اليهود المعاصرين للنبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أنهم دعوا إلى التوراة للتحاكم إليها في بعض ما تنازعوا فيه مع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فأبوا . ويجوز أن يكون هذا التنازع في أمر نبوته ، أو في أمر إبراهيم ودينه ، أو في حد من الحدود فإن كل ذلك مما نازعوا فيه رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم « 3 » . وكأن ابن جرير - رحمه اللَّه - يريد أن يقول : إن الآيات الكريمة تتسع لكل ما تنازعوا فيه مع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فلما دعاهم إلى أن يحكم التوراة بينه وبينهم في شأن هذا التنازع أبوا وأعرضوا وهو رأى حسن . والاستفهام في قوله * ( أَلَمْ تَرَ ) * للتعجيب من شأنهم ومن سوء صنيعهم حيث دعوا إلى كتابهم ليحكم بينهم فامتنعوا عن ذلك لأنهم كانوا - كما يقول الآلوسي - « إذا عضتهم الحجة فروا إلى الضجة وأعرضوا عن الحجة » ثم قال : و « من » إما للتبعيض وإما للبيان ، ومعنى « نصيب » هو الكتاب أو نصيبا منه ، لأن الوصول إلى كنه كلامه - سبحانه - متعذر « فإن جعل بيانا كان المراد إنزال الكتاب عليهم . وإن جعل تبعيضا كان المراد هدايتهم إلى فهم ما فيه ، وعلى التقديرين اللام في » الكتاب « للعهد والمراد به التوراة » « 4 » .
--> ( 1 ) صحيح البخاري : كتاب التفسير ج 6 ص 47 . ( 2 ) تفسير القرطبي ج 4 ص 50 . ( 3 ) تفسير ابن جرير ج 3 ص 218 . ( 4 ) تفسير الآلوسي ج 3 ص 110 .