سيد محمد طنطاوي
55
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
الزمان ! فلما دخلا على النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عرفاه بالصفة والنعت فقالا له : أنت محمد ؟ قال نعم قالا : وأنت أحمد ؟ قال : نعم . قالا : نسألك عن شهادة فإن أنت أخبرتنا بها آمنا بك وصدقناك . فقال لهما رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : سلانى . فقالا : أخبرنا عن الأعظم شهادة في كتاب اللَّه . فأنزل اللَّه تعالى - على نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم * ( شَهِدَ اللَّه أَنَّه لا إِله إِلَّا هُوَ والْمَلائِكَةُ وأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ ) * فأسلم الرجلان وصدقا برسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وقوله تعالى : * ( شَهِدَ اللَّه ) * أي بين وأعلم كما يقول : شهد فلان عند القاضي إذا بين وأعلم لمن الحق أو على من هو قال الزجاج : « الشاهد هو الذي يعلم الشيء ويبينه ، فقد دلنا اللَّه على وحدانيته بما خلق وبين » « 1 » . والمعنى : أخبر اللَّه - تعالى - عباده وأعلمهم بالآيات القرآنية التي أنزلها على نبيه ، وبالآيات الكونية التي لا يقدر على خلقها أحد سواه ، وبغير ذلك من الأدلة القاطعة التي تشهد بوحدانيته ، وأنه لا معبود بحق سواه ، وأنه هو المنفرد بالألوهية لجميع الخلائق . وأن الجميع عبيده وفقراء إليه وهو الغنى عن كل ما عداه . وشهد بذلك « الملائكة » بأن أقروا بأنه هو الواحد الأحد الفرد الصمد فعبدوه حق العبادة ، وأطاعوه حق الطاعة ، وشهد بذلك أيضا « أولو العلم » بأن اعترفوا له - سبحانه - بالوحدانية ، وصدقوا بما جاءهم به الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وبلغوا ذلك لغيرهم . قال الزمخشري : شبهت دلالته على وحدانيته بأفعاله الخاصة التي لا يقدر عليها غيره ، وبما أوحى من آياته الناطقة بالتوحيد كسورة الإخلاص وآية الكرسي وغيرهما ، بشهادة الشاهد في البيان والكشف وكذلك إقرار الملائكة وأولى العلم بذلك واحتجاجهم عليه » « 2 » . وقالوا : وفي هذه الآية دليل على فضل العلم وشرف العلماء ، فإنه لو كان أحد أشرف من العلماء ، لقرنهم اللَّه باسمه واسم ملائكته كما قرن العلماء . وقال في شرف العلم لنبيه - صلَّى اللَّه عليه وسلَّم - وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً فلو كان شيء أشرف من العلم لأمر اللَّه نبيه أن يسأله المزيد منه كما أمر أن يستزيده من العلم . وقال صلَّى اللَّه عليه وسلَّم « إن العلماء ورثة الأنبياء » وقال : « العلماء أمناء اللَّه على خلقه » . وهذا شرف للعلماء عظيم ومحل لهم في الدين خطير « 3 » . والمراد بأولى العلم هنا جميع العلماء الذين سخروا ما أعطاهم اللَّه من معارف في خدمة عقيدتهم ، وفيما ينفعهم وينفع غيرهم ، وأخلصوا اللَّه في عبادتهم ، وصدقوا في أقوالهم وأفعالهم . وقدم - سبحانه - الملائكة على أولى العلم ، لأن فيهم من هو واسطة لتوصيل العلم إلى
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 4 ص 41 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 444 . ( 3 ) تفسير القرطبي ج 4 ص 41 .