سيد محمد طنطاوي

363

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والمعنى : لتبلون - أيها المؤمنون - ولتختبرن * ( فِي أَمْوالِكُمْ ) * بما يصيبها من الآفات ، وبما تطالبون به من إنفاق في سبيل إعلاء كلمة اللَّه ، ولتختبرن أيضا في * ( أَنْفُسِكُمْ ) * بسبب ما يصيبكم من جراح وآلام من قبل أعدائكم ، وبسبب ما تتعرضون له من حروب ومتاعب وشدائد ، وفضلا عن ذلك فإنكم * ( لَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) * وهم اليهود والنصارى * ( ومِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ) * وهم كفار العرب ، لتسمعن من هؤلاء جميعا * ( أَذىً كَثِيراً ) * كالطعن في دينكم ، والاستهزاء بعقيدتكم ، والسخرية من شريعتكم والاستخفاف بالتعاليم التي أتاكم بها نبيكم ، والتفنن فيما يضركم . وقد رتب - سبحانه - ما يصيب المؤمنين ترتيبا تدريجيا ، فابتدأ بأدنى ألوان البلاء وهو الإصابة في المال ، فإنها مع شدتها وقسوتها على الإنسان إلا أنها أهون من الإصابة في النفس لأنها أغلى من المال ، ثم ختم ألوان الابتلاء ببيان الدرجة العليا منه وهي التي تختص بالإصابة في الدين ، وقد عبر عنها بقوله : * ( ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ومِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً ) * . وإنما كانت الإصابة في الدين أعلى أنواع البلاء ، لأن المؤمن الصادق يهون عليه ماله ، وتهون عليه نفسه ، ولكنه لا يهون عليه دينه ، ويسهل عليه أن يتحمل الأذى في ماله ونفسه ولكن ليس من السهل عليه أن يؤذى في دينه . . . ولقد كان أبو بكر الصديق مشهورا بلينه ورفقه . ولكنه مع ذلك - لقوة إيمانه - لم يحتمل من « فنحاص » اليهودي أن يصف الخالق - عز وجل - بأنه فقير ، فما كان من الصديق إلا أن شجّ وجه فنحاص عندما قال ذلك القول الباطل . وقد جمع - سبحانه - بين أهل الكتاب وبين المشركين في عداوتهم وإيذائهم للمؤمنين ، للإشعار بأن الكفر ملة واحدة ، وأن العالم بالكتاب والجاهل به يستويان في معاداتهم للحق ، لأن العناد إذا استولى على القلوب زاد الجاهلين جهلا وحمقا ، وزاد العالمين حقدا وحسدا . ثم أرشد - سبحانه - المؤمنين إلى العلاج الذي يعين على التغلب على هذا البلاء فقال : * ( وإِنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ) * . أي : وإن تصبروا على تلك الشدائد ، وتقابلوها يضبط النفس ، وقوة الاحتمال . * ( وتَتَّقُوا ) * اللَّه في كل ما أمركم به ونهاكم عنه ، تنالوا رضاه - سبحانه - وتنجوا من كيد أعدائكم . والإشارة في قوله * ( فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ) * تعود إلى المذكور ضمنا من الصبر والتقوى ، أي فإن صبركم وتقواكم من الأمور التي يجب أن يسير عليها كل عاقل . لأنها تؤدى إلى النجاح والظفر .