سيد محمد طنطاوي

353

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

هذا جماعة من المتأولين ، منهم : ابن مسعود وابن عباس وأبو وائل . قالوا : ومعنى * ( سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِه يَوْمَ الْقِيامَةِ ) * هو الذي ورد في الحديث عن أبي هريرة عن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال : « من آتاه اللَّه مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه - أي شدقيه - ثم يقول له . أنا مالك أنا كنزك . ثم تلا هذه الآية : * ( ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّه مِنْ فَضْلِه ) * « 1 » . ويرى بعض العلماء أن هذا الوعيد على سبيل التمثيل ، وأن الظاهر غير مراد ومعنى قوله * ( سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِه ) * عند هذا البعض : سيكلفون أن يأتوا بمثل ما بخلوا به من أموالهم يوم القيامة عقوبة لهم ، فلا يأتون لأنهم ليس في قدرتهم ذلك . أو المعنى : سيلزمون وبال ما بخلوا به لزوم الطوق ، ويتحملون وزر ذلك يوم القيامة . فالآية الكريمة تدعو المؤمنين إلى الجود والسخاء من أجل إعلاء كلمة اللَّه ، وتتوعد البخلاء بأقسى ألوان الوعيد وأفظعها . وتبين أن كل ما في هذا الكون إنما هو ملك للَّه - تعالى - وحده ، فهو المعطى وهو المانع ، ولذا قال - تعالى : * ( ولِلَّه مِيراثُ السَّماواتِ والأَرْضِ واللَّه بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) * . والميراث : مصدر كالميعاد . وأصله موراث فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها . والمراد به ما يتوارث . والمعنى : أن للَّه - تعالى - وحده لا لأحد غيره ما في السماوات والأرض مما يتوارثه أهلهما من مال وغيره ، فما بال هؤلاء القوم يبخلون عليه بما يملكه ، ولا ينفقونه في سبيله . وعلى هذا يكون الكلام جاريا على حقيقته ولا مجاز فيه . ويصح أن يكون المعنى : أن اللَّه - تعالى - يرث من هؤلاء ما في أيديهم مما بخلوا به من مال وغيره وينتقل منهم إليه حين يميتهم ويفنيهم ، وتبقى الحسرة والندامة عليهم . وعلى هذا يكون الكلام على سبيل المجاز . قال الزجاج : أي أن اللَّه - تعالى - يفنى أهلهما . فيفنيان بما فيهما ، فليس لأحد فيهما ملك . فخوطبوا بما يعلمون ، لأنهم يجعلون ما يرجع إلى الإنسان ميراثا ، ملكا له « . وقوله * ( واللَّه بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) * تذييل قصد به حضهم على الإنفاق ، ونهيهم عن البخل ،

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 4 ص 291 والشجاع : الثعبان الذكر الذي يقوم على ذنبه ويراقب الراجل والفارس ، والأقرع : هو الذي يكون أملس الجلد كثير السم . والزبيبتان النكتتان السوداوان فوق عينيه .