سيد محمد طنطاوي

334

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله تعالى * ( الَّذِينَ قالُوا لإِخْوانِهِمْ ) * في محل نصب بدل من قوله * ( الَّذِينَ نافَقُوا ) * . أو في محل رفع بدل من الضمير في قوله * ( يَكْتُمُونَ ) * فكأنه قيل : واللَّه أعلم بما يكتم هؤلاء الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا . . . وقوله * ( وقَعَدُوا ) * حال من الضمير في * ( قالُوا ) * بتقدير حرف قد أي قالوا ما قالوا والحال أنهم قد قعدوا عن القتال . وجواب الشرط في قوله * ( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) * محذوف لدلالة ما قبله عليه وهو قوله * ( فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ ) * . والتقدير : إن كنتم صادقين في زعمكم أن الذين قتلوا في أحد لو أطاعوكم وقعدوا كما قعدتم لما أصابهم القتل ، إن كنتم صادقين في هذا الزعم فادرأوا عن أنفسكم الموت عند حلوله . قال الآلوسي . والمراد أن ما ادعيتموه سببا للنجاة ليس بمستقيم ، ولو فرض استقامته فليس بمفيد ، أما الأول : فلأن أسباب النجاة كثيرة . غايته أن القعود والنجاة وجدا معا وهو لا يدل على السببية . وأما الثاني : فلأن المهروب عنه بالذات هو الموت الذي القتل أحد أسبابه فإن صح ما ذكرتم فادفعوا سائر أسبابه ، فإن أسباب الموت في إمكان المدافعة بالحيل وامتناعها سواء ، وأنفسكم أعز عليكم ، وأمرها أهم لديكم » « 1 » . وقال ابن القيم : وكان من الحكم التي اشتملت عليها غزوة أحد ، أن تكلم المنافقون بما في نفوسهم ، فسمعه المؤمنون ، وسمعوا رد اللَّه عليهم ، وجوابه لهم ، وعرفوا مراد النفاق ، وما يؤول إليه ، كيف يحرم صاحبه سعادة الدنيا والآخرة . . . فاللَّه اللَّه كم من حكمة في ضمن هذه القصة بالغة ، ونعمة على المؤمنين سابغة ، وكم فيها من تحذير وتخويف وإرشاد وتنبيه ، وتعريف بأسباب الخير والشر ومآلهما وعاقبتهما « 2 » . وبعد هذا الحديث الكاشف عن طبيعة المنافقين وعن أحوالهم ، انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن الشهداء وفضلهم وما أعده اللَّه لهم من نعيم مقيم فقال - تعالى - :

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 4 ص 120 . ( 2 ) زاد المعاد لابن القيم . نقلا عن تفسير القاسمي ص 1032 .