سيد محمد طنطاوي
332
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وعليه درع يجر أطرافها وبيده راية سوداء ، فقيل له : أليس قد أنزل اللَّه عذرك ؟ فقال : بلى ولكني أحب أن أكثر المسلمين بنفسي « 1 » . هذا ، وقد أصدر - سبحانه - حكمه العادل على أولئك المنافقين فقال : * ( هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمانِ . يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ واللَّه أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ ) * . أي هم يوم أن قالوا هذا القول الباطل قد بينوا حالهم ، وهتكوا أستارهم وكشفوا عن نفاقهم لمن كان يظن أنهم مؤمنون ، لأنهم قبل أن يقولوا : « لو نعلم قتالا لاتبعناكم » كانوا يتظاهرون بالإيمان ، وما ظهرت منهم أمارة تؤذن بكفرهم ، فلما انخذلوا عن عسكر المؤمنين وقالوا ما قالوا تباعدوا بذلك عن الإيمان المظنون بهم واقتربوا من الكفر . أو المعنى : هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان ، لأن تقليلهم سواد المسلمين بالانخذال فيه تقوية للمشركين . قال الجمل : « وقوله * ( هُمْ ) * مبتدأ ، وقوله * ( أَقْرَبُ ) * خبره ، وقوله * ( لِلْكُفْرِ ) * وقوله * ( لِلإِيمانِ ) * متعلقان بأقرب ، لأن أفعل التفضيل في قوة عاملين . فكأنه قيل : قربوا من الكفر وقربوا من الإيمان ، وقربهم للكفر في هذا اليوم أشد لوجود العلامة وهي خذلانهم للمؤمنين » « 2 » . وقوله * ( يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ) * جملة مستأنفة مبينة لحالهم مطلقا لا في ذلك اليوم فحسب . أي أن هؤلاء القوم من صفاتهم الذميمة أنهم يقولون بألسنتهم قولا يخالف ما انطوت عليه قلوبهم من كفر ، وما امتلأت به نفوسهم من بغضاء لكم - أيها المؤمنون - . قال صاحب الكشاف : وذكر الأفواه مع القلوب تصوير لنفاقهم ، وأن إيمانهم موجود في أفواههم معدوم في قلوبهم ، بخلاف صفة المؤمنين في مواطأة قلوبهم لأفواههم » « 3 » . وقوله * ( واللَّه أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ ) * تذييل قصد به زجرهم وتوعدهم بسوء المصير بسبب نفاقهم وخداعهم . أي واللَّه - تعالى - أعلم منكم - أيها المؤمنون - بما يضمره هؤلاء المنافقون من كفر ومن كراهية لدينكم ، لأنه - سبحانه - يعلم ما ظهر وما خفى من أمورهم ، وقد كشف اللَّه لكم
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 4 ص 266 . ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 334 بتصرف يسير . ( 3 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 437 .