سيد محمد طنطاوي

330

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

* ( فَبِإِذْنِ اللَّه ) * هو الخبر . ودخلت الفاء في الخبر لشبه المبتدأ بالشرط . وقوله * ( ولِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ ) * بيان لبعض الحكم التي من أجلها حدث ما حدث في غزوة أحد . والعلم هنا كناية عن الظهور والتقرر في الخارج لما قدره - سبحانه - في الأزل أي أراد اللَّه أن يحدث ما حدث في غزوة أحد ليظهر للناس ويميز لهم المؤمنين من غيرهم . وقوله : * ( ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا ) * حكمة ثانية لما حدث في غزوة أحد . أي : حدث ما حدث في غزوة أحد ليعلم - سبحانه - المؤمنين من المنافقين علم عيان ورؤية وظهور يتميز معه عند الناس كل فريق عن الآخر تميزا ظاهرا . إذ أن نصر المسلمين في بدر فتح الطريق أمام المنافقين للتظاهر باعتناق الإسلام . وعدم انتصارهم في أحد ، كشف عن هؤلاء المنافقين وأظهرهم على حقيقتهم ، فإن من شأن الشدائد أنها تكشف عن معادن النفوس ، وحنايا القلوب . ثم بين - سبحانه - بعض النصائح التي قيلت لهؤلاء المنافقين حتى يقلعوا عن نفاقهم ، وحكى ما رد به المنافقون على الناصحين فقال : * ( وقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّه أَوِ ادْفَعُوا ، قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ ) * . أي فعل - سبحانه - ما فعل في أحد ليميز المؤمنين من المنافقين الذين قيل لهم من النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ومن بعض أصحابه : تعالوا معنا لتقاتلوا في سبيل اللَّه ، فإن لم تقاتلوا فادفعوا أي فانضموا إلى صفوف المقاتلين ، فيكثر عددهم بكم فإن كثرة العدد تزيد من خوف الأعداء . أو المعنى : تعالوا معنا لتقاتلوا من أجل إعلاء كلمة اللَّه ، فإن لم تفعلوا ذلك لضعف إيمانكم ، واستيلاء الشهوات والأهواء على نفوسكم ، فلا أقل من أن تقاتلوا لتدفعوا عن أنفسكم وعن مدينتكم عار الهزيمة . أي إن لم تقاتلوا طلبا لمرضاة اللَّه ، فقاتلوا دفاعا عن أوطانكم وعزتكم . قال الجمل : وهذه الجملة وهي قوله - تعالى - * ( وقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا ) * تحتمل وجهين . أحدهما : أن تكون مستأنفة ، أخبر اللَّه أنهم مأمورون إما بالقتال وإما بالدفع أي تكثير سواد المسلمين - أي عددهم . والثاني : أن تكون معطوفة على * ( نافَقُوا ) * فتكون داخلة في خبر الموصول . أي وليعلم الذين حصل منهم النفاق والقول المذكور وإنما لم يأت بحرف العطف بين تعالوا وقاتلوا ، لأن المقصود أن تكون كل من الجملتين مقصودة بذاتها « 1 » .

--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 324 .