سيد محمد طنطاوي
298
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال الجمل ما ملخصه : وقوله * ( حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ ) * في حتى هذه قولان : أحدهما : أنها حرف جر بمعنى إلى وفي متعلقها حينئذ ثلاثة أوجه . أحدها : أنها متعلقة بقوله : * ( تَحُسُّونَهُمْ ) * أي تقتلونهم إلى هذا الوقت . والثاني : أنها متعلقة « بصدقكم » أي صدقكم اللَّه وعده إلى وقت فشلكم . والثالث : أنها متعلقة بمحذوف دل عليه السياق تقديره : ودام لكم ذلك إلى وقت فشلكم . والقول الثاني : أنها حرف ابتداء داخلة على الجملة الشرطية و * ( إِذْ ) * على بابها من كونها شرطية ، والصحيح أن جوابها محذوف أي حتى إذا فشلتم وتنازعتم منع اللَّه عنكم نصره » « 1 » . وقال الفخر الرازي : فإن قيل ما الفائدة في قوله * ( مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ ) * ؟ فالجواب عنه : أن المقصود منه التنبيه على عظم المعصية ، لأنهم لما شاهدوا أن اللَّه - تعالى - « أكرمهم بإنجاز الوعد كان من حقهم أن يمتنعوا عن المعصية ، فلما أقدموا عليها لا جرم سلبهم اللَّه ذلك الإكرام وأذاقهم وبال أمرهم . وقوله * ( مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ) * تفصيل للتنازع الذي كان بين الرماة ، أو بين بعض أفراد المسلمين الذين اشتركوا في هذه الغزوة « 2 » . أي : منكم - أيها المسلمون - من يريد الدنيا ومغانمها حتى حمله ذلك على ترك مكانه المخصص له مخالفا نصيحة قائده ورسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ولو أن هذا البعض منكم خالف هواه ، وحارب مطامعه ، وأطاع أمر رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لتم لكم النصر ، ولأتتكم الدنيا بغنائمها وهي صاغرة . ومنكم من يريد بجهاده وعمله ثواب الآخرة وهم الذين أطاعوا أمر رسولهم صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وثبتوا إلى جانبه يدافعون عنه وعن عقيدتهم وعن أنفسهم دفاع الأبطال الصامدين وهؤلاء هم الذين رضى اللَّه عنهم ورضوا عنه وأعد لهم ما يسعدهم في دنياهم وآخرتهم . قال ابن جرير : قال ابن عباس : لما هزم اللَّه المشركين يوم أحد ، قال الرماة : أدركوا الناس لا يسبقوكم إلى الغنائم فتكون لهم دونكم ، وقال بعضهم : لا نريم حتى يأذن لنا النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فنزلت : * ( مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ) * . وقال ابن مسعود : ما علمنا أن أحدا من أصحاب رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كان يريد الدنيا وعرضها حتى كان يوم أحد » « 3 » .
--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 324 . ( 2 ) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 37 . ( 3 ) تفسير ابن جرير ج 4 ص 130 .