سيد محمد طنطاوي

283

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الناس من الظلمات إلى النور ، وسيكون مصيره إلى الموت إن عاجلا أو آجلا كما هو شأن سائر البشر الذين اصطفى اللَّه - تعالى - منهم رسله ، إلا أن رسالته التي جاء بها من عند اللَّه لن تموت من بعده ، بل ستستمر إلى أن يرث اللَّه الأرض ومن عليها ، ولا يصح أن يضعف أتباعه في عقيدتهم أو في تبليغ رسالته من بعده ، بل عليهم أن يستمسكوا بما جاءهم به ، وأن يدافعوا عنه بأنفسهم وأموالهم . ولذا فقد وبخ اللَّه - تعالى - بعض المسلمين الذين صدر منهم اضطراب أو ضعف عندما أشاع ضعاف النفوس بأن الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قد قتل في غزوة أحد فقال - تعالى - : * ( أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ) * ؟ أي : إذا مات محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم - أيها المؤمنون - وقد علمتم أن موته حق لا ريب فيه ، أو قتل وهو يدافع عن دينه وعقيدته ، * ( انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ) * أي : رجعتم إلى ما كنتم عليه من الكفر والضلال . والانقلاب : الرجوع إلى المكان . وهو هنا مجاز في الرجوع إلى الحال التي كانوا عليها قبل الإسلام . يقال لكل من رجع إلى حاله السيئ الأول : نكص على عقبيه ، وارتد على عقبيه . والعقب مؤخر الرجل . وجمعه أعقاب . قال صاحب الكشاف : قوله * ( أَفَإِنْ ماتَ ) * الفاء معلقة للجملة الشرطية بالجملة قبلها على معنى التسبب . والهمزة لإنكار أن يجعلوا خلو الرسل قبله سببا لانقلابهم على أعقابهم بعد هلاكه بموت أو قتل ، مع علمهم أن خلو الرسل قبله وبقاء دينهم متمسكا به يجب أن يجعل سببا للتمسك بدين محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لا للانقلاب عنه . فإن : قلت : لم ذكر القتل وقد علم أنه لا يقتل ؟ قلت : لكونه مجوزا عند المخاطبين . فإن قلت : أما علموه من ناحية قوله : واللَّه يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ؟ قلت : هذا مما يختص بالعلماء منهم وذوى البصيرة » « 1 » . وفي قوله * ( انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ) * تنفير شديد من الرجوع إلى الضلال بعد الهدى ، وتصوير بليغ لمن ارتد عن الحق بعد أن هداه اللَّه إليه . فقد صور - سبحانه - حالة من ترك الهداية إلى الضلال ، بحالة من رجع إلى الوراء وبصره إلى الأمام ، وأعقابه هي التي تقوده إلى الخلف ، وهو في حالة انتكاس ، بأن جعل رأسه إلى أسفل وعقبه إلى أعلا . ولا شك أن هذا أقبح منظر يكون عليه الإنسان .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 423 .