سيد محمد طنطاوي
274
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقد ذكر صاحب الكشاف هذين المعنيين فقال : والمعنى : إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبله يوم بدر ، ثم لم يضعف ذلك قلوبهم ، ولم يثبطهم عن معاودتكم بالقتال فأنتم أولى أن لا تضعفوا . ونحوه ولا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللَّه ما لا يَرْجُونَ وقيل : كان ذلك يوم أحد ، فقد نالوا منهم قبل أن يخالفوا أمر رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . فإن قلت : كيف قيل « قرح مثله » وما كان قرحهم يوم أحد مثل قرح المشركين ؟ قلت : بلى كان مثله . ولقد قتل يومئذ خلق من الكفار . ألا ترى إلى قوله - تعالى - ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّه وَعْدَه إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِه ، حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وتَنازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ « 1 » . ويبدو لنا أن الظاهر هو الرأي الأول ، وهو أن الكلام عن غزوتى بدر وأحد ، لأن اللَّه - تعالى - قد ساق هذه الآية الكريمة لتسلية المؤمنين بأن ما أصابهم في أحد من المشركين قد أصيب المشركون بمثله على أيدي المؤمنين في غزوة بدر ، فلما ذا يحزنون أو يضعفون ؟ ولأن قوله - تعالى - بعد ذلك * ( وتِلْكَ الأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ ) * ، يؤيد هذا المعنى - كما سنبينه بعد قليل - . وجواب الشرط في قوله * ( إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ ) * . . . إلخ . محذوف . والتقدير إن يمسسكم قرح فاصبروا عليه واعقدوا عزمكم على قتال أعدائكم ، فقد مسهم قرح مثله قبل ذلك . وعبر عما أصاب المسلمين في أحد بصيغة المضارع * ( يَمْسَسْكُمْ ) * لقربه من زمن الحال ، وعما أصاب المشركين بصيغة الماضي لبعده لأن ما أصابهم كان في غزوة بدر . وقوله * ( وتِلْكَ الأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ ) * بيان لسنة اللَّه الجارية في كونه ، وتسلية للمؤمنين عما أصابهم في أحد . وقوله * ( نُداوِلُها ) * من المداولة ، وهي نقل الشيء من واحد إلى آخر . يقال : هذا الشيء تداولته الأيدي ، أي انتقل من واحد إلى آخر . . . والمعنى : لا تجزعوا أيها المؤمنون لما أصابكم من الجراح في أحد على أيدي المشركين فهم قد أصيبوا منكم بمثل ذلك في غزوة بدر ، وإن أيام الدنيا هي دول بين الناس ، لا يدوم سرورها ولا غمها لأحد منهم ، فمن سره زمن ساءته أزمان ، ومن أمثال العرب . الحرب سجال ، والأيام دول فهي تارة لهؤلاء وتارة لأولئك ، كما قال الشاعر :
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 41 .