سيد محمد طنطاوي

272

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الآيات غيرها - يصرح بأن المنتفعين بالتذكير هم المتقون فيقول : * ( هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وهُدىً ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ) * . وبعد هذا البيان الحكيم ، يتجه القرآن إلى المؤمنين بالتثبيت والتعزية فينهاهم عن أسباب الفشل والضعف ، ويأمرهم بالصمود وقوة اليقين . ويبشرهم بأنهم هم الأعلون فيقول : * ( ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) * . وقوله * ( تَهِنُوا ) * من الوهن - بسكون الهاء وفتحها - وهو الضعف . وأصله ضعف الذات كما في قوله - تعالى - حكاية عن زكريا : قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي أي ضعف جسمي . وهو هنا مجاز عن خور العزيمة ، وضعف الإرادة ، وانقلاب الرجاء يأسا والشجاعة جبنا ، واليقين شكا ، ولذلك نهوا عنه . وقوله * ( تَحْزَنُوا ) * من الحزن وهو ألم نفسي يصيب الإنسان عند فقد ما يحب أو عدم إدراكه ، أو عند نزول أمر يجعل النفس في هم وقلق . والمقصود من النهى عن الوهن والحزن ، النهى عن سببهما وعن الاسترسال في الألم مما أصابهم في غزوة أحد . والمعنى : لا تسترسلوا - أيها المؤمنون - في الهم والألم مما أصابكم في يوم أحد ، ولا تضعفوا عن جهاد أعدائكم فإن الضعف ليس من صفات المؤمنين ، ولا تحزنوا على من قتل منكم فإن هؤلاء القتلى من الشهداء الذين لهم منزلتهم السامية عند اللَّه . وقوله * ( وأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ ) * جملة حالية من ضمير الجماعة في ولا تهنوا ولا تحزنوا والمقصود بها بشارتهم وتسليتهم وإدخال الطمأنينة على قلوبهم . أي لا تضعفوا ولا تحزنوا والحال أنكم أنتم الأعلون الغالبون دون عدوكم فأنتم قد أصبتم منهم في غزوة بدر أكثر مما أصابوا منكم في غزوة أحد . وأنتم تقاتلون من أجل إعلاء كلمة اللَّه وهم يقاتلون في سبيل الطاغوت . وأنتم سيكون لكم النصر عليهم في النهاية ، لأن اللَّه - تعالى - قد وعدكم بذلك فهو القائل : إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأَشْهادُ « 1 » . وقوله * ( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) * جملة شرطية ، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله . أي : إن كنتم مؤمنين حقا فلا تهنوا ولا تحزنوا بل اعتبروا بمن سبقكم ولا تعودوا لما وقعتم

--> ( 1 ) سورة غافر الآية 51 .