سيد محمد طنطاوي

262

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ووصف - سبحانه - الجنة بأن عرضها السماوات والأرض على طريقة التشبيه البليغ ، بدليل التصريح بحرف التشبيه في قوله - تعالى - سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأَرْضِ « 1 » . قال الفخر الرازي ما ملخصه : وفي معنى أن عرض الجنة مثل عرض السماوات والأرض وجوه منها : أن المراد لو جعلت السماوات والأرضون طبقا طبقا ، بحيث تكون كل واحدة من تلك الطبقات سطحا مؤلفا من أجزاء لا تتجزأ ، ثم وصل البعض بالبعض طبقا واحدا لكان ذلك مثل عرض الجنة ، وهذا غاية في السعة لا يعلمها إلا اللَّه . ومنها أن المقصود المبالغة في وصف السعة للجنة ، وذلك لأنه لا شيء عندنا أعرض منهما ونظيره قوله خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأَرْضُ . فإن أطول الأشياء بقاء عندنا هو السماوات والأرض ، فخوطبنا على وفق ما عرفناه ، فكذا هنا » « 2 » . وخص - سبحانه - العرض بالذكر ، ليكون أبلغ في الدلالة على عظمها واتساع طولها ، لأنه إذا كان عرضها كهذا ، فإن العقل يذهب كل مذهب في تصور طولها « لأن العرض في العادة أقل من الطول . وذلك كقوله - تعالى - في صفة فرش الجنة مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ لأنه إذا كانت بطانة الفرش من الحرير فكيف يكون ما فوق البطانة مما تراه الأعين ؟ . قال القفال : ليس المراد بالعرض هاهنا ما هو خلاف الطول ، بل هو عبارة عن السعة كما تقول العرب : بلاد عريضة ، ويقال هذه دعوى عريضة أي واسعة عظيمة . والأصل فيه أن ما اتسع عرضه لم يضق ، وما ضاق عرضه دق ، فجعل العرض كناية عن السعة « . قال ابن كثير : وقد روينا في مسند الإمام أحمد أن هرقل كتب إلى النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يقول : « إنك دعوتني إلى جنة عرضها السماوات والأرض فأين النار ؟ فقال النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : سبحان اللَّه فأين الليل إذا جاء النهار » . وعن أبي هريرة أن رجلا جاء إلى النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقال : أرأيت قوله - تعالى - : * ( جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ والأَرْضُ ) * فأين النار قال : أرأيت الليل إذا جاء لبس كل شيء فأين النهار ؟ قال : حيث شاء اللَّه فقال صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « وكذلك النار تكون حيث شاء اللَّه » « 3 » . وقوله - تعالى - * ( أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ) * أي هيئت للمتقين الذين صانوا أنفسهم عن محارم اللَّه ، وجعلوا بينهم وبينها وقاية وساترا ، وخافوا مقام ربهم ونهوا أنفسهم عن الهوى .

--> ( 1 ) سورة الحديد الآية 21 . ( 2 ) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 4 . ( 3 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 404 .